اراء

آفــة الفســاد تنخــر في الأخضــر واليابــس

ليلى عيسى
إن من اسوأ الأمراض التي تعاني منها الكثير من المجتمعات ومن ضمنها مجتمعات عربية هو الفساد الإداري والمالي والسياسي، الآفة التي تزداد إنتشارا بطريقة لافتة وتتغلغل في مختلف زوايا المجتمع ليُصبح واقعا نعيشه ونتعايش معه في كل لحظة وعلى جميع الصعد ، كالذي يتعايش مع مرض السرطان الذي ينخر الجسد ويسلب منها الحياة ، والضحايا دائما هي الفئات الفقيرة في تلك المجتمعات. الفساد في مختلف أشكاله لا يشكل إنتهاكا للقوانين فحسب بل يستهدف السلم الإجتماعي لأنه يلغي مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه ويجعله يتخلى عن الواجب تجاه أبناء وطنه ليتعاطى معهم بصورة نفعية إنطلاقا من الأنانية الفردية. إن مصطلح الفساد يشير بشكل عام إلى حالات انتهاك لمبدأ النزاهة باستخدام منصب عام لتحقيق مصالح خاصة قد تكون مصالح شخصية أو مصالح عليا سواء إن كانت مصالح سياسية أو مادية ، وهي آفة تعيش على حساب قوت المواطن لتجريده من أبسط حقوقه في الحياة مقابل خدمة أو مصلحة تعد ضمن حقوق الفرد. يوجد الفساد بأشكال مختلفة منها الرشوة والمحسوبية والوساطة ونهب المال العام . وتزداد نسب الفساد في المجتمعات التي ينتشر فيها الفقر والجهل وتدني معدل رواتب العاملين في القطاع العام والخاص بما لا يتناسب مع ارتفاع مستوى المعيشة، كما أن انعدام العدالة الاجتماعية وعدم الموازنة بين السلطات الثلاث في الدولة وتطاول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية دون وجه حق والتدخل في استقلالية السلطة القضائية وبالتالي ضعف أجهزة الرقابة والتفتيش في الدولة تشكل العوامل الرئيسة التي تغذي ذلك الفساد. عكست الدراما العربية بعض حالات الفساد في المجتمعات من خلال عروض حولتها عن طريق المسرح الجاد والساخر أو عبر الأفلام، ناهيك عن بعض الأمسيات الشعرية للكثير من الشعراء الوطنيين المحبين لاوطانهم والرافضين لآفة الفساد. في أحيان كثيرة يكون للفن والإعلام دور بارز في الحد من هذه الآفة الاجتماعية ولكن يرى البعض أن الفساد الحقيقي هو قهر المواطن بشتى الوسائل هو الذي يساعد على تفاقم المشكلة ما يسمح للإعلام والفن التحدث عنه بشكل واضح. ولكن اليوم ومع إنتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتبلور ظاهرة المواطن «المراسل» فإن الكشف عن الفساد لم يبق حصرا على الاعلام والفنون حيث يمكن لأي شخص ان يقوم بدور المراسل ليكشف عن حالات الفساد وذلك من خلال عرض أثباتات مكتوبة أو مصورة ، حيث قام العديد من الناس بتصوير حالات إرتشاء وأبسطها على سبيل المثال لا الحصر تصوير ضابط شرطة مصري في احدى شوارع القاهرة وهو يطلب من المواطن رشوة مقابل إطلاق سراح سيارته في شارع عام ، وقد تم تداول هذا الشريط المصور وبقوة في شبكات التواصل الاجتماعي . ان من اخطر انواع الفساد هو الفساد السياسي والاقتصادي والقضائي حيث يستهدف ديمومة الإستقرار في المجتمعات ويحول دون تطورها وإزدهارها واليوم تقاس درجة الإزدهار في المجتمعات بقدرتها على مكافحة الفساد والمحسوبية فيها. وينقسم الفساد بشكل عام لنوعين فساد صغير يسمى فساد أفقي (Minor Corruption) ويشمل قطاع الموظفين الصغار الذين تجبرهم ظروف الحياة على تلقي رشاوى لإنجاز أية معاملة في نطاق دوائرهم والمؤسسات التي يعملون بها وهناك فساد كبير يسمى فساد عمودي (Corruption Gross) وهو استغلال المنصب العام من قبل بعض الشخصيات الكبيرة كالوزراء والمدراء وأصحاب القرار الموجودين على رأس هرم مؤسسات الدولة.
وهنا يأتي دور الفساد السياسي كرافد للفساد المالي الذي قد يقترفه مسؤول كبير في السلطة ليحول الفساد السياسي إلى الأسوأ والأخطر بين انواع الفساد نظرا لتلاقي السلطة والمال والقوة معا ودائما على حساب حقوق المواطن يظهر هذا النوع من الفساد لتحقيق مصالح سياسية عليا عبر تزوير الانتخابات مثلا أو شراء أصوات الناخبين، أو التمويل غير المشروع للحملات الانتخابية. كما أن السلطة والمنصب يساعدان في نهب المال العام من خلال منح تراخيص أو إعفاءات ضريبية أو جمركية لأشخاص أو شركات دون وجه حق وغالبا ما يكون على حساب المواطن مما ينعكس سلبا عليه والتجاوز على حقوقه. للفساد تأثير مباشر على مختلف نواحي الحياة الاجتماعية فهو يؤدي إلى خلخلة القيم الأخلاقية مما يتسبب في إنتشار الإحباط واللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبالمقابل يزيد من معدل الجريمة. أن ضعف ممارسة الديمقراطية وشيوع حالة الاستبداد السياسي والدكتاتورية في العديد من دول العالم يُسهم بشكل مباشر في تنامي هذه الظاهرة.
سوف لن يزدهر أي مجتمع إذا لم يجد سبلا عملية لمكافحة الفساد ولا يمكن إيجاد هذه السبل إلا إذا روجت ثقافة رفض الفساد بمختلف أشكاله في المجتمعات، فعلى سبيل المثال أوروبا والدول الاسكندنافية بالتحديد كالسويد والدنمارك والنرويج تحتل دائما مراتب عليا في مكافحة الفساد في العالم نتيجة لإنتشار ثقافة رفض الفساد فيها وبنفس النسب تعد مجتمعات هذه الدول الأكثر إزدهارا وديمقراطية في العالم، ولكن برغم ذلك كله لا توجد دولة في العالم خالية من الفساد بالمطلق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى