اراء

همجية المستوطنين وخرائط المنطقة

السفير قيس شقير..

لا يمكن بحالٍ فصل إطلاق أيدي المستوطنين اليهود المتطرفين الملوثة بدم الأبرياء في الضفة الغربية، وانفلات عقالهم تدنيسًا للأقصى وكل مقدّسٍ عندنا مسلمين ومسيحيين عن أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي في زيارته لواشنطن. فقد صرّح بنيامين نتنياهو وهو يستقل الطائرة بأن تطبيع العلاقات مع دول المنطقة على جدول أعماله إلى جانب ملف إيران، فيما ربط الرئيس الأمريكي في تصريحٍ سابقٍ بين إتمام الاتفاق النووي السلمي مع المملكة العربية السعودية بالتطبيع مع إسرائيل.

ويُفهم من هذين التصريحين، أن خطط السلام الإبراهيمي مازالت قائمة، دون التفاتٍ لتداعيات السابع من أكتوبر عام 2023 وما نجم عنها من وقائع على الأرض شملت اغتيالاتٍ سياسيةً على أعلى مستويات القيادة، واقتحامات باتت روتينيةً لجنوب وشرق سوريا، وخطين أصفر وأزرق أضافت عليهما مناطق تجريبية في جنوبي لبنان، إلى جانب خطوط تجاوزت الألوان المعهودة في غزة.

فما الرابط بين همجية المستوطنين في الضفة الغربية والتطورات الإقليمية القائمة على أكثر من جبهةٍ قد تتسع لتضم باب المندب إلى دراما التداعيات الاقتصادية الدولية لأزمة مضيق هرمز. ولقد استبقت حكومة المتطرفين الإسرائيلية تحليلات الأكاديميين والعسكريين بالتأكيد على عملياتٍ عسكريةٍ مشابهةٍ في الضفة الغربية لاقتحاماتها لجنين ومخيمها، فيما أعلن وزير المالية الإسرائيلي على الملأ، أن الضفة الغربية جزءٌ من إسرائيل وركنٌ أساسٌ في أمنها القومي. ولا يمكن فهم مصطلح الأمن القومي هذا، إلا إذا كان في سياق ما سبق أن صرّح به نتنياهو بأن بقاء قواته داخل الأراضي السورية واللبنانية جزءٌ أيضًا من الاستراتيجية الأمنية لإسرائيل، والتي بات بحكم الواقع تمدّدها تحقيقًا لمعتقدات السفير الأمريكي في إسرائيل التلمودية الصهيونية بإسرائيل الكبرى.

وفي المحصّلة، فإن مرحلة التحذير من مخططات إسرائيل للهيمنة بضم الضفة الغربية بأقصاها وكنيسة القيامة فيها والمهد باتت من أدبيات الماضي وسرديته، فلم تعد تجدي بيانات الإدانة وتوصيف ما يجري بأنه خرقٌ للقانون الدولي أو أنه يعصف بالأمن والاستقرار في المنطقة.

إن البديل المنطقي للدبلوماسية النمطية التي لم تعد تُجدي لا بياناتها ولا اجتماعاتها في فرض احترام القانون الدولي، أن تقوم بحكم الواقع دبلوماسية الفعل المؤثر المستند إلى حتمية تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وفرضها على الدول دون استثناءٍ، توظيفًا لمعطياتٍ ما كانت بوفرةٍ هي عليها اليوم، فلم تعد المعارضة لسياسات اليمين المتطرف ممثلًا بالحكومة الإسرائيلية الحالية محصورةً في عديد دول العالم، بل تعدّى ذلك لإرسال ستمئة شخصيةٍ قياديةٍ اسرائيليةٍ سابقةٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ ودبلوماسيةٍ رسالةً للرئيس الأمريكي تحذّر من الخطر اليهودي في الضفة الغربية، ومن إمكان تسبب هجمات المتطرفين في انفجار الأوضاع في الضفة الغربية.

لقد آن للدبلوماسية العربية، أن تنطلق من الحصار الذي تجد فيه الحكومة الإسرائيلية نفسها داخليًا ودوليًا، لتبني جبهةَ إقليميةً ودوليةً ترفض سياسات إسرائيل وتحدّ من أطماعها استثمارًا لسقوط سرديتها من كونها حصن الديمقراطية في المنطقة المحاط بمن يسعى لإلقائها في البحر، إلى أكذوبة أنها ضحية الاضطهاد والإرهاب، والذي باتت المتهم الأول فيه في المحكمة الجنائية الدولية.

ولا شكّ أن ما تفرضه تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية على دولنا العربية وعلى الإقليم والعالم تُحتم على الدبلوماسية العربية شموليةً وشفافيةً تخترق حواجز قوالب المواقف النمطية، لتنجز ما يفرد الأوراق على الطاولة بنحوٍ يعيد الثوابت التي لم تمحها اقتحامات إسرائيل للضفة والأقصى، ولا عدوانها المستمر في غزة، ولا في جنوبي لبنان وسوريا. ولا يجب بحالٍ السماح لإسرائيل- وإن فرضت معطياتٍ على الأرض تعيق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 – أن تفرض رؤيتها التلمودية الصهيونية على حساب القانون الدولي، والقانون الإنساني الدولي، فمتى كانت المعتقدات الدينية أساسًا للعلاقات بين الدول، ومتى كانت مسوّغا للإبادة الجماعية؟.

قد تتباين الرؤى والمواقف تبعًا لذلك فيما بين بعض الدول العربية، وهنا فإن الشفافية المطلوبة هي التي تسبر غور الاختلاف لكي لا يؤدي إلى الخلاف وتضارب المصالح، فالانطلاق نحو مواجهة العدوانية الإسرائيلية بعدّها الأساس لكل أزمات المنطقة، يستدعي طوي ملفاتٍ تُشتّت جهود الدبلوماسية العربية وتعيق عملها؛ وملفات السودان واليمن حاضران بوضوحٍ إلى جانب ملفاتٍ أخرى تحظى كلّها بالأولوية؛ فهل يُترك لبنان يتفاوض مع إسرائيل على سيادته وأمنه دون سندٍ عربيٍ يستمد منه أوراق القوة؟ وهل الحل لخرق إسرائيل سيادة سوريا، هو بتركها تتفاوض وحيدةً على اتفاقيةٍ أمنيةٍ معها؟ أم أن المجال متاحٌ لتنسيقٍ عربيٍ يضع في حسبانه الأمن القومي العربي ضمن استراتيجيةٍ شموليةٍ تحفظ المصالح العربية والتي لا تتعارض فيما بينها لانتفاء عوامل التضاد، لتواجه تحدياتٍ إقليميةً ودوليةً تحيق بالكل العربي، وإن بصورٍ تتفاوت في الشكل، لا في المضمون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى