اراء

أمريكا في الخليج.. فخ الحرب الجوية وحتمية الهزيمة البحرية

مازن النجار..

عندما أعلنت بحرية حرس الثورة الإسلامية، مؤخراً، أن وحدات القيادة المركزية الأمريكية البحرية تخضع لمراقبة كاملة، وتقترب بسرعة من “ساعة الصفر”، لم يكن ذلك خطاباً مسرحياً فارغاً، بل كان بياناً فعلياً للواقع العملياتي. فلم يُحيَّد الوجود البحري الأمريكي إلى حد كبير فحسب، بفضل الهجمات الإيرانية المستمرة، بل الأهم أنه أصبح محاصراً في مأزق اختارته إيران.

إن أحد أسباب وقوع واشنطن في هذا الموقف هو سوء تقديرها واستهانتها باستراتيجية الاستنزاف الإيرانية، وانغماسها في عمى أسطورة هيمنتها الدائمة. وكانت هذه الغطرسة هي ما سيقود الولايات المتحدة إلى فخ حرب استنزاف متعددة الطبقات، حيث ستُضعف إيران وحلفاؤها، من خلال تحركات غير متناظرة، هيكلية واشنطن الدفاعية.

تقول الباحثة الأكاديمية ميترا راهب إنه، لفهم كيف وقعت واشنطن في هذا الفخ، ينبغي النظر إلى جوهر الهدف الاستراتيجي الإيراني الأسمى: وضع واشنطن في مأزق، فإما أن تُفلس بالبقاء والخسارة، وإما أن تنسحب من مسرح العمليات تماماً، ذليلة ولكن سليمة مالياً، وإن كانت أضعف. تقوم هذه الاستراتيجية على مسار مزدوج من الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، حيث تؤدي العلاقة المتشابكة بين المسارين إلى انهيار الهيمنة الأمريكية في المنطقة، بل وتحوّل أيضاً ميزان القوى الإقليمي من التحالف الأمريكي الإسرائيلي العربي مباشرة إلى القوة الآسيوية الإسلامية.

في الاستنزاف الاقتصادي، بدأت الاستراتيجية بإغلاق مضيق هرمز، حيث شلّ الحصار البحري أهم نقطة اختناق بحرية حيوية للطاقة في العالم. وانتشرت تداعيات الأزمة وموجات صدماتها، من ارتفاع أسعار النفط وتضخم أقساط تأمين الشحن البحري ضد مخاطر الحرب، ما أدى فعلياً إلى توقف حركة الشحن البحري التجاري بسرعة وعلى نطاق واسع في أسواق العالم. وسرعان ما وجدت واشنطن نفسها في موقف يفاقم فيه وجودها في مياه الخليج الأزمة الاقتصادية التي كانت تسعى جاهدة إلى إزالتها.

لمعالجة هذه المشكلة، لجأت واشنطن إلى ما توقعته إيران تماماً: الاعتماد على الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، كأداة تخدير اقتصادي كلي، لكبح التضخم وإخفاء الحقيقة عن الرأي العام، إلا أن تلاعب واشنطن بالسوق ألحق ضرراً بالغاً بأمنها الاقتصادي طويل الأمد، إذ اضطرت إلى استنزاف الاحتياطي النفطي الاستراتيجي إلى مستوى منخفض وخطير وغير مسبوق، ما أدى إلى استنفاد قدرتها على الصمود محلياً في ظل استمرار الأزمة مستعرة.

في الاستنزاف العسكري، بدأ التفكيك المنهجي للشبكة العسكرية الأمريكية بإغراق إيران مسرح العمليات بأكمله بموجات من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والمنتجة بكميات كبيرة، ما أجبر المدمرات البحرية الأمريكية ومنظومات صواريخ باتريوت على استنفاد مخزوناتها الضخمة من الصواريخ الاعتراضية، التي تبلغ قيمة إحداها ملايين الدولارات، وهي أسلحة يستغرق تصنيعها وتعويضها سنوات في الولايات المتحدة.

شكّلت هذه الاستراتيجية المحسوبة، على أي حال، الآلية نفسها لكشف نقاط ضعف المكونات الحيوية في الشبكة العسكرية الأمريكية، فمن خلال الضربات المتواصلة على منشآتها الإقليمية، تمكن الإيرانيون من تدمير الوقود اللازم للحفاظ على التفوق الجوي الأمريكي.

بدءاً من ضرب “العقل المدبر” في القواعد الأمريكية في الإقليم لشلّ القيادة المركزية، مروراً بخنق “الأذرع” اللوجستية في الكويت بتدمير منشآت حيوية، من محطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء ومدارج الطائرات، وصولاً إلى تحطيم “الأجنحة” عبر ممرات الطائرات في الأردن، وسحق “دروع” الدفاع الصاروخي في السعودية، نجح الإيرانيون في تحييد أي تهديد تكتيكي كبير من تلك المنشآت.

بدوره، قلّص هذا الانهيار الموضعي قدرات واشنطن الإقليمية، ما أدى إلى اعتمادها كثيراً على قاذفات “بي-52” بعيدة المدى، التي تنطلق من مراكز استراتيجية بعيدة خارج مسرح العمليات لكن، رغم قدرة هذه القاذفات الثقيلة على ضرب بعض الأهداف من الجو، فإنها لم تستطع تعويض انهيار الشبكة الإقليمية التي كانت أساسية في السابق للتفوق والسيطرة الجوية والهيمنة العسكرية الأمريكية.

علاوة على ذلك، ومع تلاشي الدعم الأرضي، واجهت القاذفات نفسها مخاطر عملياتية جسيمة في غياب شبكة أمان إقليمية مضمونة. لذلك، لم تُحدث الغارات الجوية الأمريكية البعيدة سوى تأثير عابر ومؤقت، قبل أن تُضطر إلى نقل عبء الدفاع إلى البحر، ما مهّد الطريق فعلياً للمرحلة التالية، والأخيرة غالباً، من الصراع العسكري: الحرب البحرية الحتمية.

ولطالما عُدّت الولايات المتحدة سيدة الهيمنة البحرية العالمية بلا منازع، لكنها تجد موقعها مهدداً للمرة الأولى. فمع وجودها عالقة في مياه الخليج الضيقة، من دون وقود وخط إمداد بري آمن، بات الأسطول عاجزاً فعلياً في منطقة اختارتها إيران، بينما تُنفّذ استراتيجية مزدوجة منسقة لتفكيك القوة البحرية الأمريكية تحت سطح البحر وفوقه.

تحت سطح البحر، يبرز الخلل التكتيكي بشكل لافت. فبينما قد لا تُسيّر واشنطن سوى ست غواصات تقريباً في المنطقة الأوسع، تمتلك إيران أسطولاً غير متناظر يضم عشرات الغواصات الساحلية والقزمة المصممة خصيصاً لهذا الغرض، مثل غواصات “غدير” و”فاتح”، المصممة للعمل في مياه الخليج الضحلة والضيقة.

كذلك، تُشغّل إيران أسلحة تحت سطح الماء، كطوربيدات “حوت” فائقة التجويف، وتُشكّل، بدورها، محيطاً بحرياً فتاكاً يُعطّل الدفاعات الأمريكية التقليدية.

بالنسبة إلى واشنطن، يُضاعف هذا الانتشار المكثف والمشبّع تحت سطح الماء نقاط الضعف والهشاشة الكامنة على السطح، حيث تواجه السفن الحربية الأمريكية قيوداً تسليحية وملاحية صارمة، لا سيما محدودية مخازن صواريخ الاعتراض.

ونظراً إلى أن هذه السفن تعتمد على صواريخ دفاعية لا يمكن إعادة تزويدها بالذخيرة في البحر من دون قواعد برية آمنة، فإن سلسلة متواصلة من الهجمات تستنزف قدراتها الدفاعية والهجومية بسرعة. كذلك، ولأن منصات البحرية الأمريكية، لا سيما حاملتي الطائرات “أبراهام لينكولن” و”جيرالد فورد”، وهما جوهرتا تاج البحرية الأمريكية، سفينتان ضخمتان من القرن العشرين، وغير مصممتين لمياه الخليج الضحلة، فإن أهم نقاط قوتهما تتحول إلى نقطة ضعفهما وهشاشتهما القصوى.

فمثلاً، يمكن لضربة استراتيجية واحدة تستهدف سطح حاملة طائرات، مصدرها ترسانة إيران المتطورة للضربات السطحية، وتشمل صواريخ “خليج فارس” الباليستية المضادة للسفن وصواريخ كروز “قادر” المجنحة منخفضة التحليق، أن تشلّ نظام الإطلاق والاستعادة بالكامل للحاملة فوراً.

إن هذا المزيج المتزامن من الانتشار المكثف تحت السطح والهشاشة فوق السطح هو ما يحوّل حاملة طائرات قيمتها مليارات الدولارات إلى منصة عائمة غير فعّالة، محولاً تفوق أمريكا غير المتناظر في أعالي البحار العميقة إلى هزيمة بحرية محتومة.

وهكذا، مع تحول الصراع من منشآت برية مشلولة إلى بحر مفخخ، يتغير ميزان القوى بلا رجعة، طاوياً بذلك فصلاً تأريخياً، وتاركاً الاستراتيجية الأمريكية تائهة في مياه لم تعد تستطيع السيطرة عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى