الصين أولاً في الرأي العام العالمي.. هل تغير ميزان القوة؟

تمارا برو..
لقد بات واضحاً، أن الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تجاوز حدود الاقتصاد والتكنولوجيا والقوة العسكرية، ليصبح منافسة على الشرعية الدولية والثقة العالمية.
فاليوم، لم يعد النفوذ يُقاس بما تمتلكه الدول من أدوات القوة فحسب، بل أيضاً بقدرتها على إقناع العالم بأنها الشريك الأكثر موثوقية والأقدر على قيادة المستقبل.
لطالما ارتبطت مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي بتفوقها العسكري والاقتصادي، وبقدرتها على التأثير في الرأي العام العالمي، إلا أن مؤشرات حديثة واستطلاعات رأي دولية صدرت مؤخراً كشفت عن تحول لافت وغير مسبوق في مزاج الرأي العام العالمي، إذ باتت الصين تحظى بصورة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في غالبية الدول التي شملتها الاستطلاعات.
فقد أظهر استطلاع مؤسسة غالوب، المتخصصة في استطلاعات الرأي، أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة في معدلات التأييد العالمي خلال عام 2025، إذ بلغ متوسط التأييد للقيادة الصينية 36%، مقارنة بـ31% للولايات المتحدة. ويُعد هذا التفوق، وفقاً للمؤسسة، الأكبر الذي تحققه الصين منذ نحو 20 عاماً.
ومن اللافت أيضاً، أن التحسن في صورة الصين لم يقتصر على الدول النامية، بل امتد إلى بعض الدول الغربية. فقد سجلت كندا، على سبيل المثال، ارتفاعاً ملحوظاً في النظرة الإيجابية إلى الصين مقارنة بالولايات المتحدة، وهو تطور يعكس تأثير الخلافات السياسية والاقتصادية الأخيرة التي أثارتها سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تُجاه كندا على صورة واشنطن.
أما عن أسباب التحول في نظرة الرأي العام العالمي تُجاه الصين وأمريكا، فتعود بالدرجة الأولى إلى السياسات التي انتهجها ترامب منذ بداية ولايته الثانية، فضلاً عن الانقسامات الداخلية التي تشهدها الولايات المتحدة.
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تبنى سياسة “أمريكا أولاً”، وهي سياسة ساهمت في تراجع الثقة العالمية بالولايات المتحدة، فقد أدت الرسوم الكمركية التي فرضها على الدول الحليفة وغير الحليفة، والخلافات التجارية مع عدد من الدول، ككندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى التشكيك المستمر في جدوى بعض التحالفات التقليدية، إلى ترسيخ الانطباع بأن واشنطن باتت تفضل مصالحها المباشرة على حساب الشراكات الدولية.
كما أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران، وما رافقه من توترات في مضيق هرمز أثرت في أسعار النفط العالمية، غذّيا شعوراً لدى شريحة واسعة من الرأي العام العالمي بأن السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ميلاً إلى توظيف القوة والعقوبات الاقتصادية في إدارة الأزمات الدولية.
ومن ناحية أخرى، لعبت الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة دوراً بارزاً في تراجع صورتها الخارجية، إذ إن الاستقطاب الحاد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والخلافات حول قضايا الهجرة والاقتصاد والسياسة الخارجية، والجدل المتكرر حول الانتخابات، كلها عوامل أثارت تساؤلات لدى الرأي العام العالمي بشأن استقرار النموذج الأمريكي وقدرته على مواصلة قيادة النظام الدولي كما كان الحال عقب نهاية الحرب الباردة.
في المقابل، تقدم الصين نموذجاً مغايراً يقوم على الاستقرار السياسي والتخطيط طويل الأمد. فمنذ سنوات، تعمل بكين على توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا أكثر من اعتمادها على القوة العسكرية، كما أسهمت مبادرة الحزام والطريق في تعزيز حضور الصين في عشرات الدول من خلال تمويل مشاريع البنى التحتية والموانئ والطرق والسكك الحديدية، الأمر الذي عزز صورتها بوصفها شريكاً تنموياً، لا قوة تسعى إلى فرض نفوذها بالقوة العسكرية.
وفي السياق نفسه، كثفت الصين حضورها في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، وعززت تعاونها مع عدد من الدول لتحقيق التنمية الاقتصادية. لذلك، وفي الوقت الذي ركزت فيه واشنطن على العقوبات والقيود التجارية، ركزت بكين على توسيع استثماراتها وإبرام الاتفاقيات الاقتصادية، وهو ما انعكس على صورة كل منهما لدى الرأي العام العالمي في العديد من الدول.
ومن ناحية أخرى، سعت الصين إلى توظيف دبلوماسيتها في التوسط لإنهاء عدد من الصراعات التي شهدتها المرحلة الأخيرة، والتي ارتبط كثير منها بتصاعد السياسات الأمريكية ومواقفها، وهو ما أسهم في تعزيز صورة بكين عالمياً بوصفها قوة تفضل الحلول السياسية وتقدم نفسها كراعٍ للسلام والاستقرار الدولي.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحول في النظرة إلى بكين وواشنطن، أن العالم أصبح مؤيداً للصين بصورة مطلقة، إنما قد يشير إلى أن الولايات المتحدة فقدت جزءاً مهماً من رصيدها المعنوي على الساحة الدولية. فالكثير من نتائج الاستطلاعات توحي بأن صعود الصين جاء بالتوازي مع تراجع الثقة بالسياسات الأمريكية، أكثر مما جاء نتيجة تغير جذري في نظرة العالم إلى النظام السياسي الصيني.
لذلك، ينبغي التعامل بحذر مع هذه النتائج، إذ قد تتغير بتغير السياسات والأحداث الدولية، كما أن صورة الصين لا تزال تواجه تحديات تتعلق بحقوق الإنسان، والنزاعات الإقليمية، وقضية تايوان، بالإضافة إلى الانتقادات المرتبطة بالشفافية، مع أن الصين تعمل على تعزيز صورتها عالمياً إلى جانب الحفاظ على زخم نموها الاقتصادي وتوسيع حضورها العالمي.
ومن جهة أخرى، إذا تمكنت الولايات المتحدة من إعادة بناء الثقة مع حلفائها، وتخفيف حدة المواجهة التجارية، واستعادة دورها التقليدي في قيادة التحالفات الدولية، فقد تستعيد جانباً مهماً من مكانتها المعنوية، إلا أن ذلك قد يبدو صعباً في ظل السياسات التي يتبعها ترامب، والتي تقوم على إبرام الصفقات أكثر من اعتمادها على الدبلوماسية السياسية، فضلاً عن مواقفه المتقلبة وتراجعه المتكرر عن بعض قراراته، وهو ما ينعكس على صورة الولايات المتحدة لدى حلفائها وخصومها على حد سواء.
لقد أدت التناقضات المتكررة في السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية، وما شهدته من تغيرات بين الإدارات المتعاقبة، إلى ترسيخ انطباع عالمي بأن واشنطن أصبحت شريكاً أقل استقراراً وأكثر تقلباً على المدى الطويل، مما هدد مكانتها كضامن موثوق للاستقرار العالمي. في المقابل، سعت الصين إلى استثمار هذا التراجع في الثقة لتعزيز صورتها الدولية وكسب مزيد من التأييد في الرأي العام العالمي.
تكشف نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة، أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين لم يعد مقتصراً على الاقتصاد أو التكنولوجيا أو القوة العسكرية، بل امتد إلى ميدان أكثر تأثيراً يتمثل في الرأي العام العالمي. فالصورة الذهنية التي ترسمها الدول عن نفسها أصبحت أحد أهم عناصر القوة في النظام الدولي، بل قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من أدوات القوة التقليدية، وبينما تحاول الصين تقديم نفسها بوصفها شريكاً للتنمية والاستقرار، تواجه الولايات المتحدة تحدي استعادة ثقة العالم في ظل التحولات التي فرضتها سياساتها الداخلية والخارجية.



