اراء

بوركينا فاسو تُسقط آخر بيادق فرنسا من الجغرافيا الأفريقية

بقلم: ثابت العمور..

تساءلتُ في مقال كتبته في 13 أيار 2026 “لماذا يركض ماكرون في شوارع أفريقيا”؟ ومما ذكرته “نجح ماكرون في الركض بشوارع أفريقيا وصنع الصورة التي كان يريدها؛ لكنّ اللحاق بأفريقيا الجديدة يحتاج لأكثر من الركض..”، ويبدو أنّ ماكرون لم يلحق بأفريقيا الجديدة فقط ولكنه خسر السباق وخرج منه، وقد سقطت قطعة شطرنج جديدة من مربّع النفوذ الفرنسي في أفريقيا.

أُعلِنت هزيمة فرنسا رسمياً في ماراثون السباق صوب ما تبقّى من نفوذ تقليدي قديم في أفريقيا عندما أعلنت حكومة بوركينا فاسو، في بيان أذيع على التلفزيون الرسمي- أنّ “حكومة بوركينا فاسو تُعلن للمجتمع الوطني والدولي أنها قرّرت قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا بدءاً من 26 حزيران 2026”. واتهمت بوركينا فاسو فرنسا بأنها تضمر “طموحات استعمارية جديدة تتجلّى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد“.

والسؤال لماذا قرّرت بوركينا فاسو قطع علاقاتها الدبلوماسية بفرنسا بأثر فوري؟ وما دلالات ذلك وتبعاته وتداعياته؟ ولماذا تدرّجت القطيعة من العلاقات العسكرية للعلاقات السياسية؟ هل أخفقت فرنسا في ترميم تآكل علاقاتها؟ أم أنّ ما فعلته بوركينا فاسو عنوان لتحوّل أفريقي استراتيجي تُجاه الاستعمار التقليدي بموجبه أسقطت بوركينا فاسو آخر بيادق فرنسا في أفريقيا؟

قرار بوركينا فاسو قطع علاقاتها الدبلوماسية بفرنسا ليس مجرّد أزمة عابرة لكنه قرار استراتيجي يعكس تحوّلاً جذرياً بدأت ملامحه تتمدّد في عموم أفريقيا ولا يقتصر على دولة بعينها، وعنوان هذا التحوّل هو إعادة ترتيب محدّدات العلاقات مع مجموع الاستعمار القديم “أوروبا” وليس فرنسا وحدها فقط، حيث إنه قبل قرار قطع العلاقة مع فرنسا استدعت وزارة الخارجية في بوركينا فاسو، في 24 حزيران 2026 رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي المعتمد لديها فيليب برونشين لإبلاغه باستياء واغادوغو من قرار تبنّاه البرلمان الأوروبي ينتقد ما وصفه باستمرار “حملات القمع” و”تدهور الحريات الأساسية“.

وفي وقت سابق ندّد وزير خارجية بوركينا فاسو جان ماري تراوري، بتصريحات النائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي كريستوف غومارت، معتبراً أنّ حديثه عن بلد لم يزره وتقديمه أرقاماً بشأنه “يُعدّ إساءة إلى مكانة البرلمان الأوروبي بإلقاء خطاب يحمل نزعة استعمارية جديدة“.

يُذكر أنّ علاقات بوركينا فاسو مع الأوروبيين شهدت توتراً منذ وصول النقيب إبراهيم تراوري إلى السلطة إثر انقلاب عسكري نهاية أيلول 2022. وكانت فرنسا قد سحبت وجودها الدبلوماسي تدريجياً، إذ لم يكن لديها سفير في بوركينا فاسو منذ كانون الثاني 2023، ولاحقاً قامت السلطات البوركينية في عام 2024 بطرد ثلاثة دبلوماسيين فرنسيين بتهمة القيام بأنشطة وصفتها بـ”التخريبية“.

في مسار التوتر المتصاعد والتباعد المتدحرج بين البلدين فإنّ طرد السفيرة الفرنسية “لوتشيا بيالوت” من واغادوغو لم يكن بداية الأزمة، بل كان النتيجة الحتمية لسياق تصاعدي بدأ منذ انقلاب النقيب إبراهيم تراوري في أيلول 2022. الذي دُشّن بفكّ الارتباط العسكري وإنهاء مفاعيل عملية “سابر” للقوات الخاصة الفرنسية، واستكمل اليوم بقطع العلاقات الدبلوماسية الكاملة بأثر فوري.

إنّ هذا القرار الذي برّرته بوركينا فاسو بغياب “الاحترام المتبادل” واتهام باريس بدعم “شبكات تخريبية”، لا تنحصر شظاياه في النطاق الثنائي، بل يمتدّ ليعيد صياغة التوازنات الإقليمية والدولية. ويعني في أحد مدلولاته أنّ فرنسا رغم خسارتها وانكماشها لم تفهم بعدُ طبيعة التحوّلات التي تشهدها أفريقيا الجديدة عموماً وبوركينا فاسو وجارتها على وجه الخصوص.

القرار يعني مأسسة عزل فرنسا واكتمال رفضها، وبقطع العلاقات الدبلوماسية معها تكتمل حلقة القطيعة الأفريقية التي تقودها دول تحالف الصحراء “مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو”، وهذا معناه أنّ ركض الرئيس ماكرون لم يفتح الأبواب المغلقة ولم يحافظ على ما تبقّى من أبواب مفتوحة، ويعني أنّ دول الساحل الأفريقي ككتلة سياسية وجغرافية مصمّمة على إسقاط بيادق فرنسا كلها وإغلاق الأبواب أمام دخولها، وأنّ هذا الرفض والطرد لا يقتصر على فرنسا بل يتمدّد إلى عموم أوروبا. ولا يقتصر على بوركينا فاسو بل يتدحرج في دول الساحل ففي 11 أيار 2026 أعلنت النيجر إغلاق 9 منافذ إعلامية فرنسية؛ وبرّرت السلطات قرارها بـ”النشر المتكرّر لمحتوى من شأنه أن يهدّد بشكل خطير النظام العامّ والوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي واستقرار مؤسسات الجمهورية“.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى