اراء

هل تغيّر النظام الإيراني برحيل الإمام الخامنئي .. أم أن مؤسسة “قائد الثورة” أعادت إنتاج نفسها في شخص آخر؟

بقلم: مليكة قاصدي..

حين رحل الإمام علي خامنئي في شباط 2026، لم يكن الإيرانيون أمام وفاة رجل حكم البلاد أكثر من ثلاثة عقود فحسب، بل أمام لحظة تُعتبر واحدة من أكثر مؤسسات الجمهورية الإسلامية حساسية: مؤسسة “قائد الثورة”.

فمنذ توليه المنصب عام 1989 خلفًا لآية الله روح الله الخميني، أصبح الامام الخامنئي الوجه الأكثر استمرارية للنظام الإيراني. تعاقب الرؤساء والحكومات والبرلمانات، وتبدلت التيارات السياسية، واندلعت احتجاجات وأزمات وحروب، لكن موقع المرشد ظل يمثل نقطة الثبات في أعلى هرم السلطة. وقد أكدت وفاته في الهجوم الذي وقع في 28 فبراير 2026 نهاية حقبة استمرت نحو سبعة وثلاثين عامًا.

لكن رحيله لم يضع حدًا للمؤسسة التي ترأسها.

بعد أيام، اختير ابنه مجتبى خامنئي قائداً أعلى للجمهورية الإسلامية، في انتقال استثنائي أثار منذ بدايته أسئلة حول طبيعة المرحلة الجديدة. فوفق الإطار الدستوري الإيراني، لا ينتقل منصب قائد الثورة بالوراثة، وإنما يختاره مجلس خبراء القيادة. ومع ذلك، فإن وصول نجل قائد الثورة السابق إلى الموقع نفسه جعل الانتقال يحمل دلالة سياسية ورمزية تتجاوز مجرد تغيير الشخص الذي يشغل المنصب.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:

هل تغيّر النظام الإيراني برحيل الإمام علي خامنئي، أم أن مؤسسة “قائد الثورة” أعادت إنتاج نفسها في شخص آخر؟

لفهم الإجابة، لا بد من العودة إلى طبيعة المنصب نفسه.

قائد الثورة في الجمهورية الإسلامية ليس رئيسًا رمزيًا ولا مرجعية دينية منفصلة عن الدولة. إنه جزء أساس من بنية النظام السياسي، وتمنحه المنظومة الدستورية صلاحيات واسعة في تحديد السياسات العامة، والقيادة العليا للقوات المسلحة، وتعيين عدد من كبار المسؤولين في مؤسسات الدولة والجيش والقضاء.

وهنا تكمُنُ أهمية الإمام الخامنئي.

فالأنظمة السياسية لا تقوم على الأشخاص وحدهم. قد يترك الزعيم السلطة، لكن المؤسسات التي راكمت النفوذ خلال عهده تستطيع أن تستمر، وقد تعيد إنتاج نفسها في شخصية جديدة.

وهذا تحديدًا ما يجعل صعود القائد مجتبى خامنئي مهمًا.

فالمسألة ليست فقط أن ابنًا حل محل أبيه، وإنما أن شخصية جديدة دخلت إلى موقع صُمم دستوريًا وسياسيًا ليكون فوق التنافس العادي بين التيارات. وسيكون التحدي أمام القائد الجديد أكبر من مجرد الحفاظ على اللقب؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على إدارة شبكة معقدة من المؤسسات والقوى، في لحظة تواجه فيها إيران ضغوطًا عسكرية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة.

هذه التطورات لا تعني بالضرورة أن النظام أصبح «عسكريًا» أو أن قائد الثورة فقد سلطته لصالح الحرس الثوري. مثل هذه الخلاصة ستكون سابقة لأوانها.

لكنها تكشف شيئًا آخر أكثر دقة: أن الانتقال من الإمام علي خامنئي إلى قائد الثورة الجديد مجتبى خامنئي يجري بالتوازي مع إعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام.

فإذا كان منصب قائد الثورة مؤسسة دينية-سياسية، فإن استمرارها يحتاج إلى أكثر من انتقال رسمي للمنصب. يحتاج إلى قدرة قائد الثورة الجديد على إنتاج الشرعية والحفاظ على التوازن بين المرجعية الدينية والمؤسسات السياسية والعسكرية.

وهنا قد تكون تجربة مجتبى مختلفة عن تجربة والده.

فالقائد علي خامنئي أمضى سنوات طويلة في بناء شرعيته السياسية والدينية وشبكة نفوذه. أما مجتبى فقد دخل الموقع الأعلى في ظروف استثنائية، وسيكون عليه أن يثبت أن المؤسسة قادرة على الاستمرار دون أن تعتمد على الكاريزما الشخصية التي تراكمت لدى والده طوال عقود.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال عن «توريث» السلطة لا يكفي.

الأدق هو السؤال عن توريث المؤسسة.

هل ورث الإمام مجتبى خامنئي سلطة والده، أم ورث فقط موقعه؟

الفرق بين الإثنين كبير.

فالموقع يمكن أن ينتقل بقرار مؤسسي، أما النفوذ فيحتاج إلى إعادة بناء. والشرعية لا تنتقل بالاسم، بل تحتاج إلى اعتراف المؤسسات والقوى المؤثرة داخل النظام بها، وإلى قدرة قائد الثورة الجديد على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية.

ولهذا فإن المرحلة الحالية قد لا تكون قطيعة مع عهد قائد الثورة الإمام علي خامنئي، لكنها أيضًا ليست بالضرورة نسخة منه.

ربما يكون ما نشهده هو انتقال من نظام حكم ارتبط بشخص القائد إلى مرحلة تصبح فيها قوته أكثر اعتمادًا على شبكة المؤسسات التي تحيط به، وعلى علاقته بالمؤسسة العسكرية والأمنية، وعلى قدرته على إدارة الصراع بين مراكز القوة.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي بعد رحيل الامام علي خامنئي لا ينبغي أن يكون: من هو القائد الخامنئي الجديد؟

بل: ما الذي بقي من قائد الثورة داخل النظام بعد رحيله؟

إذا بقيت مؤسسة قائد الثورة، وبقيت صلاحياتها، واستمر موقعها في قلب النظام، فإن رحيل الرجل يكون قد أنهى حقبة شخصية لكنه لم ينهِ النموذج السياسي.

أما إذا بدأت العلاقة بين المرشد والمؤسسات الأخرى تتغير، وخصوصًا العلاقة مع الحرس الثوري ومراكز الأمن والقوة، فإننا قد نكون أمام تحول أعمق: ليس سقوط النظام، وإنما إعادة تشكيل داخله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى