اخر الأخبارثقافية

جدارية حامد سعيد.. عندما يستعيد الفنان الوجع الحسيني عبر اللون

المراقب العراقي / أميرة ناجي  ..

ليست كل جدارية تُقرأ من موضوعها، فبعض الأعمال تبدأ حكايتها من مادتها، من سطحها، ومن الطريقة التي ينجح فيها الفنان في تحويل المساحة الصامتة إلى كائن بصري نابض. وفي جدارية حامد سعيد، المعروضة ضمن معرض ذاكرة الدمع يبدو الجدار نفسه وقد خرج من وظيفته المعمارية ليصبح فضاءً تشكيليًا مفتوحًا على التجريب، حيث تتجاور الوحدات، وتتقاطع الملامس ويتحاور الأبيض مع الترابي، وتتولد من التكرار حركةٌ بصرية تجعل العين في حالة انتقال دائم.

ما يلفت النظر منذ اللحظة الأولى أن الفنان لم يتعامل مع الجدار باعتباره سطحًا ينبغي تغطيته، وإنما باعتباره بنيةً قابلة لإعادة التشكيل. ولهذا جاءت الجدارية مؤلفة من عشرات الوحدات البصرية الصغيرة، المتجاورة والمتفاوتة في أحجامها وملامسها وتفاصيلها، لتشكّل في مجموعها كيانًا واحدًا. هنا تكمُنُ إحدى أهم جماليات العمل الوحدة لا تفقد استقلالها داخل الكل، والكل لا يلغي خصوصية الوحدة.

هذه الطريقة في البناء تمنح الجدارية طابعًا معاصرًا واضحًا  فحامد سعيد لا يقدم كتلة واحدة مغلقة، ولا يسعى إلى سرد صورة مباشرة، بل يبني العمل عبر التجزئة وإعادة التنظيم. وكأن السطح قد تعرض لتفكيك مقصود، ثم أعاد الفنان ترتيب شظاياه في نظام بصري جديد. إننا أمام عمل يقوم على فكرة الوحدة والتعدد في آنٍ واحد وحدات كثيرة لكن روح واحدة تجمعها.

واللافت أن الفنان لا يستخدم الخط بالمعنى التقليدي وإنما تستولد الخطوط من آثار الخامة وحدود الوحدات والفواصل بينها. الخط هنا ليس مرسومًا بالضرورة، بل هو نتيجة طبيعية للتجاور والتراكب والانفصال. وهذه إحدى سمات الحس المعاصر في العمل، حيث تتراجع العناصر التشكيلية التقليدية لمصلحة المادة ذاتها.

حتى الفراغات بين الوحدات تؤدي دورًا لا يقل أهمية عن الوحدات نفسها. فالفنان لم يملأ الجدار بالكامل، بل ترك مسافات محسوبة تسمح لكل جزء بأن يتنفس.

وهذه الفراغات تمنح العين فرصة للتوقف، وتمنع الكتل من التحول إلى سطح مُصمَت. لذلك يصبح الفراغ جزءًا من التكوين، وليس مساحةً متروكة بالصدفة.

إن الجدارية بهذا المعنى تقوم على جدلية واضحة بين الامتلاء والفراغ، البروز والانخفاض، البياض واللون، الثبات والحركة، الوحدة والتعدد. وهذه الثنائيات هي التي تمنح العمل قوته البصرية، وتجعله أكثر من مجرد مجموعة من القطع المتجاورة.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة العمل داخل معرض ذاكرة الدمع، فالذاكرة في هذه الجدارية ليست صورة محفوظة، وإنما أثر يتوزع على السطح كما تتوزع بقايا الأشياء في الذاكرة. والدمع لا يظهر دمعة مرسومة، بل يتحول إلى ملمس، وتصدع، ومساحة بيضاء، وبقعة ترابية، وانقطاع في انتظام  السطح.

إن الفنان يشتغل على فكرة الأثر أكثر مما يشتغل على فكرة الحكاية. وهذا ما يجعل الجدارية معاصرة في رؤيتها.

فهي لا تستعيد الماضي بطريقة مباشرة، وإنما تمنح الذاكرة لغة بصرية جديدة ومن الناحية الإنشائية، يكشف العمل عن جهد واضح في بناء عشرات الوحدات وترتيبها داخل منظومة واحدة. فالتعامل مع هذا العدد من الأجزاء يتطلب حسًا دقيقًا بالإيقاع والمسافة والتوازن، لأن أي خلل في توزيع الكتل كان يمكن أن يفقد الجدارية وحدتها.

لكن حامد سعيد استطاع أن يحافظ على شخصية كل وحدة، وفي الوقت نفسه يجعلها جزءًا من جسد أكبر.

وهنا تكمُنُ حرفية الفنان أن يصنع الاختلاف من داخل النظام. فلا توجد وحدتان تبدوان متطابقتين تمامًا، ومع ذلك لا نشعر بأن كل وحدة تعمل بمعزل عن الأخرى. إنها تشبه أصواتًا متعددة تدخل في إيقاع واحد؛ لكل صوت نبرته، لكن المجموع هو الذي يصنع الموسيقى.

والعمل كذلك يثبت أن المعاصرة ليست بالضرورة البحث عن أشكال غريبة أو تقنيات صادمة، وإنما يمكن أن تتحقق من خلال إعادة النظر في علاقة الفنان بالمادة والمكان. حين يصبح الجدار نفسه مادةً للتجريب، وحين تتحول الخامة من حامل للعمل إلى جزء من هويته وحين يتراجع الشكل المباشر لصالح الأثر والملمس والإيقاع، نكون أمام ممارسة تشكيلية تستند إلى وعي معاصر حقيقي.

لهذا فإن جدارية حامد سعيد تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن عنوانها أولًا، وأن نقترب منها باعتبارها تجربة في المادة والتكوين والسطح والضوء. فالطف هنا يمنح العمل خلفيته الروحية والإنسانية، لكنه لا يستنفد قيمته الفنية. قوة الجدارية في أنها استطاعت أن تجعل المناسبة منطلقًا لا قيدًا، وأن تحوّل الذاكرة إلى تجربة تشكيلية قائمة بذاتها .

إن الفنان لا يرسم الذاكرة، بل يبني لها جسدًا. يجزئها يوزعها، يترك بينها فراغات، يرفع بعضها فوق بعض، ويمنحها ملامس مختلفة، حتى تبدو أمامنا كأنها ذاكرة مادية يمكن للعين أن تتجول داخلها. ومن هنا يصبح الجدار نفسه حاملًا للزمن، لا مجرد خلفية للعمل.

وإذا كانت ذاكرة الدمع قد جمعت أعمالًا تستعيد الوجع الحسيني من زوايا مختلفة، فإن جدارية حامد سعيد اختارت أن تقول ذلك الوجع بطريقة أخرى: لا عبر المشهد، وإنما عبر الأثر لا عبر الحكاية، وإنما عبر المادة لا عبر الصورة المكتملة، وإنما عبر شظايا بصرية تتجمع أمام العين لتصنع كيانًا واحدًا.

وهكذا لا يعود الجدار مجرد حامل للجدارية، بل يصبح جزءًا من تجربتها وتتحول القطع الصغيرة إلى ذاكرة كبيرة، ويتحول البياض إلى مساحة للصمت، بينما تظل الألوان الترابية مثل آثار بعيدة لشيء حدث ولم ينتهِ.

إنها تجربة تؤكد أن الفنان حين يمتلك وعيه بالخامة والتكوين، يستطيع أن يجعل من أبسط العناصر لغةً كاملة. والفنان  في هذه الجدارية لا يقدم لنا موضوعًا مرسومًا عن الطف بقدر ما يقدم عملًا تشكيليًا معاصرًا، ينهض من الخامة ويستمد قوته من بنائه، ثم يترك للذاكرة أن تُكمل ما لم يقله الشكل وهنا تصبح الجدارية أكثر من عمل معروض على جدار تصبح جداراً يتذكر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى