اراء

المشهد الكردي .. نحو مزيد من التأزم والتأزيم

1780

عادل الجبوري

أشارت جملة من الوقائع والمعطيات خلال الاسابيع القلائل الماضية، الى ان الأزمة الكردية بأبعادها وجوانبها المختلفة تتجه الى المزيد من التصعيد، وليس العكس، وأكثر من ذلك، انها تنحدر الى نقاط حرجة ومنعطفات خطيرة للغاية، ربما لم تكن مسبوقة طيلة المدة الزمنية التي اعقبت سقوط نظام صدام، التي عززت جوانب مهمة من خصوصيات الوضع الكردي، سياسيا وامنيا واقتصاديا. التظاهرات الاحتجاجية للملاكات التدريسية للمدارس والجامعات في مدينة السليمانية، التي يتقاسم النفوذ فيها كل من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير (كوران)، حيث امتدت لعدة اسابيع، ولم تتوقف حتى الان، كان الدافع والمحرك الاساس لها تأخر وتقليل الرواتب،بيد ان البعد السياسي فيها كان وسيبقى حاضرا بقوة، لأنها موجهة ضد سلطات الاقليم العليا في اربيل، والتي يمسك بمفاصلها الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، ومن البساطة بمكان تلمس البعد السياسي من طبيعة بعض الشعارات الصريحة الموجهة ضد البارزاني وحزبه. وقد يكون على حق من يقول ان هناك احزابا وشخصيات في السليمانية تقف وراء تنظيم تلك التظاهرات الواسعة والمتواصلة، في اطار الجهد المحموم لتضييق الخناق على البارزاني، وبالتالي ارغامه على التنحي عن السلطة. ولو لم يكن هناك بعد سياسي في موضوعة التظاهرات، لما اقتصرت على السليمانية دون اربيل ودهوك الخاضعتين لنفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني، علما ان الظروف الحياتية الضاغطة على الموظفين، ومن ضمنهم المعلمون والمدرسون، هي ذاتها هنا وهناك. ولعل تظاهرات السليمانية تمثل الجزء الاكبر والأوضح من صورة الموقف الرافض للبارزاني، فهناك الاستهدافات المتكررة لبعض مقرات ومكاتب وكوادر الحزب الديمقراطي في السليمانية وتوابعها، والحملات الاعلامية الممنهجة في قنوات فضائية وصحف وشبكات التواصل الاجتماعي ضد مجمل المنظومة الحاكمة في اربيل. ولم يكن لاربيل ان تتجاهل ما يجري في السليمانية طويلا، وقد تكون الرسالة التي وجهها الرئيس مسعود البارزاني في العشرين من شهر تشرين الثاني الماضي، الى الاحزاب والقوى الكردية، وطالب فيها باختيار بديل مؤقت عنه لحين اجراء انتخابات رئاسة الاقليم، قد تكون تلك الرسالة بمثابة الصدى لتظاهرات السليمانية. وأيا تكن اللهجة التي استخدمها البارزاني، فإن مجرد القبول بفكرة التنحي والاستعداد لطرحها ومناقشتها، تعني أمرين، الاول، ان الازمة وصلت الى مستويات خطيرة للغاية، والأمر الثاني، ان بقاء الوضع على ما هو عليه يعني الذهاب الى اسوأ الخيارات، والمتمثل اساسا بتفكك وتشظي المشهد الكردي الى درجة الصدام المسلح ببين الفرقاء كما حصل في النصف الاول من عقد التسعينيات. بيد ان البعض يرى ان البارزاني، يدرك جيدا ان خصومه مختلفون في الكثير من المسائل، وان مطالبته لهم باختيار بديل عنه، لن تصل الى نتيجة، بل انها ستزيد من خلافاتهم واختلافاتهم، في حين يرى فريق اخر، ان البارزاني اذا كان جادا بالفعل في ترك المنصب والتنحي، فلا يجدر به ان ينتظر خصومه حتى يختاروا بديلا له، وإنما عليه ان يبادر الى تسليم السلطة لنائبه لحين اجراء الانتخابات، وهذا ما لن يحصل، كما يعتقد ساسة ومراقبون اكراد وغير اكراد. وبدلا من ان تساهم دعوة البارزاني في تهدئة الاجواء المتشنجة قليلا، فأنها عمقت المأزق، ورفعت وتيرة الحملات الاعلامية والسياسية ضده، لتنحسر معها اي فرص لاحتواء الازمة وتطويقها. وهنا فأن الازمة بلغت نقطة خطيرة جدا، فعلى مدى سنوات، كان الاكراد يختلفون ويتصارعون ضمن حدود الاقليم، لكنهم يأتون الى بغداد بمواقف موحدة في اطار التحالف الكردستاني، حرصا منهم على تحقيق أكبر قدر من المكاسب للاقليم. النقطة الاخيرة، تمثلت في افتراق الاكراد وتقاطعهم حول مشروع قانون الموازنة الاتحادية لعام 2017، اذ ان نواب الحزب الديمقراطي قاطعوا جلسة التصويت، بينما نواب الاتحاد الوطني والتغيير والجماعة الاسلامية حضروا الجلسة وصوتوا لما رفضه حزب البارزاني، لتنطلق فيما بعد حملات تبادل الاتهامات وكيل الشتائم بوتيرة اسرع ونطاق أوسع، عبر الشاشات وفي الفضاء الالكتروني، ناهيك عن الشارع، وقد بلغت ذروتها، حينما اتهم الديمقراطي نائبة من حركة التغيير (كوران) بالإساءة الى قوات البيشمركة الكردية، لترد كوران بالقول ان الديمقراطي الكردستاني حرّف تصريحات النائبة سروه عبد الواحد. وكانت بعض بوادر ازمة المشهد الكردي قد انعكست في بغداد، بدءا من استجواب وزير المالية السابق هوشيار زيباري اواخر شهر اب الماضي، وانتهاء بإقالته بعد اقل من شهر، اذ بدا واضحا ان خصوم حزب البارزاني كانوا متحمسين لاقالته، من أجل اضعاف موقف الاخير. وفي عواصم اخرى، مثل انقرة وطهران وواشنطن وغيرها، فإن الاكراد باتوا يذهبون اليها ويطرحون مشاكلهم لأصحاب القرار فيها، بعناوينهم الحزبية أكثر من عنوانهم القومي، ناهيك عن ان اي حديث عن الانفصال والاستقلال لا قيمة ولا مصداق له على ارض الواقع. وفي ظل هذه الاجواء التي تخيم عليها المشاكل والضغوط الاقتصادية الخانقة، وانعدام الثقة، وانحسار وتلاشي مساحات التوافق والتفاهم، فإن فرص حسم الملفات العالقة مع الحكومة الاتحادية ستتقلص مقابل مناخات التأزم والتأزيم التي من شأنها ان توفر الارضيات لظهور اكثر من ادارة كردية، كما كان عليه الحال في تسعينيات القرن الماضي، وسيكون المشهد اكثر تعقيدا في حال اتسع نطاق الخلافات الداخلية، فما هو حاصل من تشظٍ في جسد الاتحاد الوطني الكردستاني بعد غياب امينه العام جلال الطالباني عن دائرة الزعامة والتأثير منذ اكثر من اربعة اعوام، يمكن ان يحصل في جسد الحزب الديمقراطي اذا واجه الظروف نفسها، علما ان زعيمه البارزاني يبلغ من العمر سبعين عاما، وهناك في داخل حزبه اجنحة ومراكز قوى متعددة تخوض تنافسا خفيا على السلطة والمال والنفوذ، وهكذا الحال بالنسبة لحركة كوران، التي يعاني زعيمها نوشيروان مصطفى (70 عاما) هو الاخر، فضلا عن الامراض الجسدية التي غالبا ما ترغمه عن الغياب لعدة شهور، حمى التنافس الشبابي داخل حركته. قد تتدخل واشنطن وعواصم اخرى لضبط ايقاع تفاعلات المشهد السياسي الكردي، بيد انها في كل الاحوال لا تستطيع فرض بناءات لم يعد يتقبلها الواقع، ولا تحديد مسارات لا تتسع لكل الفرقاء، ولا صياغة معادلات تفتقر الى العناصر القادرة على حفظ توازناتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى