اراء

النبطية.. من عاشوراء المواجهة إلى صمود اليوم

بقلم: العميد محمد الحسيني..

بين محرم 1983 ومحرم 2026، حكاية مواجهة لم تتوقف فصولها، يُطِلُّ العام الهجري الجديد والنبطية في قلب استهداف العدو الإسرائيلي الذي يحاول محاصرتها والنيل من صمودها، في سلوك ينمّ عن ثأر تأريخي لم يطوه الزمن. فالاحتلال الذي يقف حالياً على أبواب المدينة لم ينسَ يوماً مواجهة عاشوراء الشهيرة التي شكّلت إحدى أولى شرارات الانتفاضة الشعبية بوجهه. واليوم، إذ يعيد التأريخ نفسه في الميدان، تبدو النبطية متمسكة بذات المعادلة: الرمزية الدينية التي تتحول إلى فعل مقاومة يتكسر عنده جبروت الاحتلال.

في السادس عشر من تشرين الأول 1983، الموافق للعاشر من محرم 1404 هـ، شهدت مدينة النبطية واحدة من أبرز محطات المواجهة الشعبية مع الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. ففي أثناء إحياء مراسم عاشوراء، وبينما كانت الحشود تملأ الساحة الرئيسية للمدينة، حاولت دورية عسكرية إسرائيلية مؤلفة من عدد من الشاحنات وسيارات الجيب اختراق التجمعات الشعبية وعبور المدينة، متجاهلة حساسية المناسبة الدينية وكثافة المشاركين فيها.

اعتبر الأهالي هذا السلوك استفزازاً مباشراً لمشاعرهم الدينية والوطنية، وسرعان ما تحولت حالة الغضب إلى مواجهة مفتوحة. أحاطت الحشود بالدورية العسكرية، وانهالت عليها بالحجارة والعصي، قبل أن تتطور الأحداث إلى قلب إحدى الشاحنات العسكرية وإضرام النار فيها وفي عدد من الآليات الأخرى التابعة للدورية.

وسط الحشود الغاضبة التي أحاطت بهم من كل الجهات، وجد جنود الاحتلال أنفسهم في موقف غير مسبوق. ومع تصاعد المواجهة، لجأوا إلى إطلاق النار بصورة عشوائية لتأمين انسحابهم، ما أدى إلى سقوط الشهيدين محمد علي ديراني وأحمد كحيل، إضافة إلى إصابة عدد من المواطنين بجروح متفاوتة.

أما في الجانب الإسرائيلي، فقد أشارت التقارير المتوفرة إلى إصابة عدد من الجنود بجروح تراوحت بين الطفيفة والمتوسطة نتيجة الرشق بالحجارة والاشتباك المباشر مع المحتجين، من دون تسجيل قتلى في صفوف الدورية. إلا أن غياب القتلى لم يحجب حجم الصدمة التي تلقاها الاحتلال في ذلك اليوم، إذ شكلت الحادثة هزيمة معنوية وأمنية بارزة، كونها المرة الأولى التي ينجح فيها حشد شعبي مدني وأعزل في محاصرة دورية عسكرية إسرائيلية وإحراق آلياتها في قلب مدينة جنوبية محتلة.

وقد اكتسبت حادثة عاشوراء النبطية أهمية استثنائية في الذاكرة الوطنية اللبنانية، لأنها أسهمت بكسر حاجز الخوف لدى المواطنين، وأكدت أن الاحتلال لن يواجه فقط بالعمليات العسكرية المنظمة، بل أيضاً بإرادة شعبية رافضة لوجوده. كما دفعت هذه المواجهة القيادة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في أسلوب انتشار قواتها داخل المدن والبلدات الجنوبية، بعدما تبين لها أن السيطرة العسكرية لا تكفي لضمان القبول الشعبي.

ومنذ ذلك اليوم، تحولتْ عاشوراء النبطية إلى رمز لتلاقي البعدين الديني والوطني في تجربة المقاومة اللبنانية، وأصبحت مثالاً على قدرة المناسبات الدينية على التحول إلى محطات نضالية تعبر عن مواجهة الاحتلال ورفضه.

واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على تلك الأحداث، تعود النبطية إلى واجهة الاستهداف الإسرائيلي. وبين محرم 1983 ومحرم 2026، تبدلت الظروف وتغيرت الأدوات، لكن جوهر المشهد بقي واحداً: مدينة ترفض الخضوع، وتحمل في ذاكرتها عاشوراء المواجهة، وتواصل كتابة فصول الصمود في وجه الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى