اراء

حادثة إسقاط الأباتشي..الفشل العسكري يتحول إلى ذريعة سياسية مكشوفة

بقلم: د. مهدي مبارك عبد الله..

لم يكن سقوط المروحية الأمريكية من طراز “أباتشي AH-64 قرب مضيق هرمز في حزيران 2026 مجرد حادثة عسكرية عابرة في منطقة تعيش أصلاً على إيقاع التوتر والتصعيد بل تحوّل خلال ساعات قليلة إلى حدث سياسي وأمني أعاد رسم مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وكشف مرة أخرى كيف يمكن لحادث ميداني محدود أن يتحول إلى ذريعة لإطلاق عمليات عسكرية واسعة تتجاوز في أهدافها المباشرة مسألة الرد العسكري الى محاولة استعادة الهيبة المفقودة لتدخل في إطار الصراع الأكبر حول النفوذ والردع وشروط التسوية المستقبلية في المنطقة.

في مساء التاسع من يونيو 2026 سقطت مروحية أمريكية متطورة من طراز أباتشي أثناء قيامها بدورية فوق منطقة مضيق هرمز أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم وأقربها ارتباطاً بأمن الطاقة والتجارة الدولية وبينما أكدت الروايات الأمريكية أن المروحية تعرضت للإصابة بواسطة طائرة مسيرة إيرانية من طراز شاهد شددت طهران على أنها لم تستهدف المروحية بشكل متعمد وأن ما جرى وقع في ظل بيئة عملياتية معقدة ومزدحمة بالأنشطة العسكرية ورغم اختلاف الروايات حول طبيعة الحادثة فإن المؤكد أن إسقاط الأباتشي فتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد العسكري بعد فترة من محاولات احتواء المواجهة ومنع انزلاقها نحو حرب أوسع.

المثير للاهتمام أن رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ساعاته الأولى لم يكن يوحي برغبة فورية في التصعيد حيث حاول التقليل من أهمية الحادثة مشيراً إلى أن الطيارَينِ نَجَوا بواسطة زورق مسيّر تابع للبحرية الأميركية وأن الأمر ليس بالخطورة التي يصورها البعض لكن هذا الموقف لم يستمر طويلاً وسرعان ما تغير بعد الإحاطة العسكرية التي قدمتها له وزارة الدفاع الأمريكية وقيادة الأركان المشتركة والتي تضمنت معطيات استخباراتية وميدانية حول ملابسات الحادثة وطبيعة التهديد الإيراني المتزايد في منطقة الخليج ومن هنا بدأت عملية الانتقال السياسي والإعلامي من توصيف الحادث كواقعة محدودة إلى اعتباره اعتداءً مباشراً على الولايات المتحدة يستوجب الرد العاجل.

هذا التحول كشف جانباً مهماً من آليات صنع القرار في واشنطن حيث لا تتحدد طبيعة الردود العسكرية بحجم الحادثة وحدها وإنما بالقيمة السياسية التي يمكن توظيفها منها وأن سقوط مروحية تبلغ قيمتها عشرات ملايين الدولارات في منطقة استراتيجية شديدة الحساسية منح الإدارة الأمريكية فرصة مناسبة لإعادة فرض معادلة الردع التي شعرت أنها تعرضت للاهتزاز خلال الأشهر الأخيرة كما أتاح لترامب تقديم نفسه أمام الداخل الأمريكي باعتباره رئيساً حازماً لا يسمح باستهداف القوات الأمريكية دون عقاب خصوصاً في ظل الانتقادات التي طالته سابقاً بسبب تردده في بعض الملفات الخارجية.

حالة الاستعداد الإيراني ظهرت سريعاً من خلال الردود اللاحقة التي تحدثت عنها مصادر متعددة حيث جرى استهداف 21 هدفًا في القواعد الجوية والبحرية الأميركية بينها قواعد الكويت إضافة إلى استهداف حظائر مقاتلات “أف-35” في قاعدة الأزرق الجوية الأردنية ومركز قيادة وسيطرة تابع للجيش الأميركي في رسالة واضحة مُفادها أن الضربة الأمريكية لم تؤدِّ إلى إخضاع إيران أو دفعها إلى التراجع بل أدت إلى توسيع دائرة الاشتباك وإضافة عناصر جديدة إلى معادلة الصراع وهنا تتجلى إحدى المعضلات التقليدية في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران وهي أن كل ضربة تهدف إلى تعزيز الردع قد تؤدي في الوقت نفسه إلى إنتاج دوافع إضافية للتصعيد المضاد وبصورة أكبر وأعمق.

الاخطر أن حادثة الأباتشي كشفت أكثر هشاشة الوضع الأمني في الخليج رغم الحشود العسكرية الضخمة المنتشرة فيه والمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية بات مسرحاً لتداخل غير مسبوق بين الطائرات المسيرة والزوارق العسكرية وأنظمة المراقبة والقوات البحرية المتعددة الجنسيات وفي مثل هذه البيئة يصبح الخطأ العسكري أو التقدير الخاطئ أو حتى الحادث العرضي قادراً على إشعال مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز في آثارها حدود الخليج لتطال الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

حادثة الأباتشي وفق رؤية استراتيجية قد تبدو أقرب إلى نقطة تقاطع بين الحاجة إلى الردع والرغبة في تجنب الحرب حيث وفرت للإدارة الأمريكية المبرر السياسي والقانوني والإعلامي لتوجيه ضربة عسكرية إلا أنها لم تمنحها في الوقت ذاته مُبرِّراً كافياً لخوض مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بنتائجها ولذلك جاء الرد العسكري محسوباً بدقة من حيث الأهداف والتوقيت والرسائل السياسية المصاحبة له.

خلاصة القول السؤال الأهم في المحصلة ليس ما إذا كانت الضربات الأمريكية قد انتقمت للأباتشي أو أعادت الهيبة العسكرية الأمريكية بل ما إذا كانت واشنطن نجحت في تحويل الحادثة إلى أداة ضغط استراتيجية لتحسين موقعها التفاوضي وفرض وقائع جديدة على إيران والمؤشرات الأولية بهذا الصدد تُوحي بأن الهدف الحقيقي لم يكن الثأر لمروحية سقطت في مضيق هرمز بل استخدام سقوطها كرافعة سياسية وعسكرية لإعادة تشكيل ميزان الضغوط على طهران ودفعها نحو خيارات تتوافق أكثر مع الرؤية الأمريكية لمستقبل المنطقة وبينما قد انتهت حادثة الأباتشي من العناوين والإخبارية بعد أيام أو أسابيع إلا أن التداعيات السياسية والاستراتيجية التي أطلقتها مرشحة لأن تبقى حاضرة في حسابات الصراع الأمريكي الإيراني لفترة طويلة قادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى