هل يمكن الاستهانة بنشر خرائط الاستيطان الصهيوني في جنوب لبنان؟

بقلم: ايهاب شوقي..
شكلت الخريطة التي نشرتها الحركة الاستيطانية الصهيونية “أوري تسافون”، والتي عرضت فيها أراضي وعقارات في جنوب لبنان، داعية المستثمرين الى التوجه شمالا، باعتبارها أراضي صهيونية سيتم احتلالها وطرحها للاستثمار والاستيطان، مصداقًا لتحذيرات المقاومة ودقتها في تشخيص الصراع، وصوابية رؤيتها.
وهذا الإعلان لا يمكن الاستهانة به أو وضعه في سياق الحرب النفسية، حيث يماثل إعلانات أخرى في غزة لحركات استيطانية مشابهة، وبلحاظ الشواهد والسياسات التي يتبعها العدو في غزة من حيث المراوغة والإصرار على الهدم والتهجير، فإن الأمور تبدو مخططة وتتخذ مسارًا تنفيذيًا، وهو جرس إنذار كبير للبنان.
وهنا يمكن تناول هذا الملف عبر العناوين الآتية:
أولًا: نماذج من تحذيرات المقاومة
لطالما حذرت المقاومة في لبنان من أطماع العدو في ثروات لبنان، وبينت أن غياب المقاومة سيجعل لبنان فريسة للتوسع والاغتصاب مثل فلسطين المحتلة.
وقد لفت سيد شهداء الأمة، السيد حسن نصر الله إلى هذا الأمر في أكثر من مناسبة، ومنها في 9 أيار 2022، حينما قال، إن “معاناة أهالي الجنوب بدأت منذ احتلال الكيان الصهيوني لفلسطين، ومن يقول إن الاعتداءات الإسرائيلية هي رد على عمليات المقاومة نقول له إنَّه حتى الستينيات لم يكن هناك عمليات، وفي مثل هذه الأيام في العام 48 دخل العدو إلى القرى الجنوبية واستباح الأراضي وروّع الأهالي”.
كما أشار سماحة الشهيد الأقدس إلى أن المرجع الديني الكبير الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين أرسل رسالته المعروفة لرئيس الجمهورية لحماية الجنوبيين حتى لا يُهجّروا ولكي لا يتحول الجنوب إلى فلسطين ثانية.
ثانيًا: الشواهد والنذر في غزة
شهدت فلسطين تحريكًا لمخططات ومشاريع إعادة الاستيطان في قطاع غزة، وقالت التقارير، إنه تم انجاز نحو 6 مخططات هندسية لبناء 6 بؤر استيطانية في شمال القطاع، في حين بادر حزب “عظمة يهودية” لتقديم مشروع قانون يقضي بإلغاء خطة “فك الارتباط” لعام 2005 وإعادة بناء المستوطنات التي أخليت من “غوش قطيف” في جنوب القطاع.
وبمراقبة التحركات العسكرية للعدو “الإسرائيلي”، نجد تناغمًا بين خطط إعادة الاستيطان في القطاع مع خطة “الجنرالات” التي أعدها الجنرال السابق في الجيش “الإسرائيلي” غيورا آيلاند، وقدمها لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وشرع جيش الاحتلال بتنفيذها بارتكاب المجازر لتهجير سكان شمال القطاع قسرًا.
ثالثًا: المطامع في جنوب لبنان
فتح نشر حركة الاستيطان الصهيونية “أوري تسافون” لخرائط الاستيطان في الجنوب اللبناني، الباب لرصد المطامع التأريخية الصهيونية في الجنوب وأسبابها التي تتنوع بين المياه وأهميتها في نظرية الأمن الصهيوني، والمطامع الاقتصادية والدعاوى الدينية التوراتية المزعومة.
وهذا الإعلان ليس الأول من نوعه، حيث انتشرت إعلانات سابقة في أيلول 2024 باسم “حركة الاستيطان في جنوب لبنان” أنشأتها مجموعة تدعى “إسرائيل سوكول” تروّج لشراء منازل وأراضٍ في الجنوب اللبناني.
ومن واقع اعلان الحركة، تمتد الخريطة التفصيلية للأراضي اللبنانية المعروضة للبيع من مصبّ نهر الليطاني على البحر المتوسّط عند نقطة القاسمية شمالاً وصولاً إلى بلدة كفركلا، مرورًا ببلدات في البقاع الغربي وحاصبيا ومزارع شبعا، وتضم المنطقة أربع مدن رئيسة على الأقل، هي صور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا، إلى جانب القرى التابعة لتلك الأقضية.
ومن هذه النماذج الكثيرة يمكن انتقاء بعضها:
–كتب هيرتسل، في العام 1903، إلى السلطان العثماني عبد الحميد، عارضًا عليه تقديم مبلغ مليون ليرة تركيّة مُقابل موافقة السلطات العثمانيّة على إقامة اليهود في منطقة الجليل، أي على مقربة من مياه لبنان الجنوبي، باعتبار أنّ نهر الليطاني يُشكِّل مركزًا مهمًا لإنجاز المُخطّطات اليهوديّة في المنطقة.
–أعربت الحركة الصهيونيّة، في المذكرة التي رفعتها إلى “مؤتمر السلام” الذي عُقد في فرساي (باريس) العام 1919، بوضوح عن رغبتها في الاستيلاء على جنوب لبنان وجبل الشيخ، حيث ورد فيها أنّ جبل الشيخ (حرمون) هو “أبو المياه” الحقيقي لفلسطين.
–حاول زعماء الحركة الصهيونيّة إقناع بعض الزعماء الروحيين في لبنان بمطالبهم في الجنوب، وفي أثناء انعقاد “مؤتمر السلام” في فرساي حاولوا إقناعهم بالتخلي عن جنوب لبنان الذي تسكنه أكثريّة إسلاميّة لقاء وعدٍ بتقديم مساعدات فنيّة وماليّة إلى الدولة اللبنانيّة الناشئة، لكن تم رفض هذا العرض.
–حديثًا صرح المتحدّث باسم الحكومة “الإسرائيلية” ديفيد مينسر، في 24 أيلول 2024، بأن “نهر الليطاني هو حدود إسرائيل الشمالية”.
كما قدم كبير حاخامي الحاسيديم إسحق غنزنبورغ، دعوة علنية من أجل “استيطان لبنان باعتباره جزءًا من الأرض الممنوحة لإسرائيل وصولًا إلى نهر الفرات”.
والخلاصة، أن العدو “الإسرائيلي” له مطامعه في لبنان وقائده الأمريكي يريد ربط لبنان بالمشروع الجيوستراتيجي الأمريكي الممتد عبر السيطرة على البحار وطرق التجارة وحقول الغاز والنفط، والعائق الوحيد أمام التوسع هو المقاومة، وهو سر هذا الإصرار على انهائها عسكريًا أو عبر الفتن السياسية، وهنا توجه الرسائل الى خصوم المقاومة، وهل يسمحون تحت دعاوى السيادة ونيل الرضا الأمريكي على غرار سوريا الجديدة منزوعة الجولان وربما المزيد، بأن يكونوا “أسيادًا” على لبنان منزوع الجنوب؟!.



