مونديال المفاجآت الكبرى

بقلم/ سامر إلياس سعيد..
لا صوت يعلو على صوت المونديال، إذ نحن في أيامه يمتلكنا الشغف لاستقصاء كل معلومة حول المنتخبات المشاركة، خصوصًا أن مونديال العام الحالي يتميّز بمشاركة أكبر عدد من المنتخبات منذ انطلاق النسخة الأولى عام 1930، والتي لم تحظَ آنذاك بالكثير من التفاعل كما هي الحال مع النسخة الحالية التي يمكن القول إنها تحمل الكثير من السمات العالمية، باحتوائها على دول لم تجعل من كرة القدم شغفها الأول، لكنها مع ذلك تمتلك منتخبات قادرة على المنافسة ويُشار إليها كلما اقتربت مواعيد مبارياتها.
ومن خلال المباريات التي أُقيمت، شهدنا حفل الافتتاح البسيط الذي نظمته كندا بمناسبة مشاركتها الولايات المتحدة والمكسيك شرف تنظيم مونديال 2026. ومع أن كندا لا تولي الاهتمام الأكبر للعبة الشعبية الأولى في العالم، فإن جمهورها الحاضر في المدرجات قدم درسًا في الوطنية من خلال تلاحم مختلف فئات المجتمع، وفي مقدمتهم رئيس وزراء كندا، الذي لم تبخل عليه الكاميرات بالعديد من اللقطات، حتى مع تسجيل منتخب بلاده هدف التعادل أمام منتخب البوسنة والهرسك في ثالث مباريات البطولة.
وقيمة المونديال لا تكمن في وجود دول لا تمنح اللعبة الاهتمام الكافي أو في تزايد الاهتمام بها فحسب، بل تعتمد بالدرجة الأساس على عنصر المفاجآت، خصوصًا من جانب المنتخبات المغمورة. فحتى المباريات التي تُرشح فيها كفة أحد المنتخبات للفوز مسبقًا، تأتي النتائج النهائية أحيانًا لتثبت عكس تلك التوقعات. فمباراة كندا أمام نظيره البوسني بدت محسومة لمصلحة المنتخب الكندي حتى قبل انطلاقها، لاسيما أن أصحاب الأرض فرضوا ضغطًا متواصلاً عبر هجمات متتالية، لكن المنتخب البوسني استثمر فرصة وحيدة من ركلة ركنية ليسجل هدف التقدم. ورغم ذلك، لم يتوقف المنتخب الكندي عن الضغط، على الرغم من تسرع لاعبيه وفقدانهم التركيز في بعض الأحيان، وهو ما أدى إلى تأخر هدف التعادل حتى الدقائق الأخيرة من عمر المواجهة.
إذن، فالمونديال يعترف بلغة المفاجآت ولا يخضع بالضرورة لقيمة المنتخبات الكبيرة أو سمعتها الراسخة. فلا كبير في كرة القدم، والأقطاب الكروية التي اعتادت صناعة الفارق تجد نفسها أحيانًا مضطرة للاعتراف بأن المفاجآت قد تضعها تحت ضغط كبير. وربما لم يعد منطق المباراة الأولى وظروفها أمرًا معترفًا به في إطار المونديال، بعدما بات الجميع يكشف أوراقه مبكّرًا تحسبًا لأية مفاجأة.
فالمنتخب المكسيكي واجه في مباراته الأولى منتخبًا أفريقيًا لطالما اشتهر بقدرته على صناعة المفاجآت، لكنه نجح في الخروج فائزًا من المواجهة، مطمئنًا جماهيره التي أصبحت إحدى نكهات المونديال بفضل أسلوبها المميّز في التشجيع.
وفي المقابل، حققت الولايات المتحدة فوزًا عريضًا على منتخب باراغواي، لتشكّل النتيجة مفاجأة أيضًا، قياسًا بما تمتلكه منتخبات أمريكا الجنوبية من قدرة على المنافسة ومواجهة التحدّيات. ووجد منتخب باراغواي نفسه غارقًا في تلك الخسارة القاسية في مستهل مشواره، ما يجعله مطالبًا بالتعويض في الجولة المقبلة.
وهكذا تتوالى مباريات المونديال بين البحث عن التنافس الحقيقي وإدراك قيمة الفوز وأهميته منذ الجولات الأولى، من أجل ترتيب الأوراق مبكّرًا والاستعداد للمراحل المقبلة. فالفوز سيبقى كلمة السر التي ستفتح الطريق أمام بطل العالم الجديد للظفر بالكأس الغالية.



