اراء

سبايكر.. الجرح المكلوم واللثام المضموم

منهل عبد الأمير المرشدي..
تمرُّ الأيامُ والسنوات وحرقة الدم النازف غدراً وظلماً في شواطئ تكريت لا تبرد، وغصة الفقد لا تزول، مجزرة سبايكر ليست مجرد حادثة في سجل تأريخ العراق الدامي بل هي طعنة في خاصرة الإنسانية ووصمة عار أبدية على جبين كل من خطط ونفذ وشمت وتستر. هي الحقيقة العارية التي حاول البعض طمسها خلف عباءة داعش الفضفاضة لتبرئة القتلة الحقيقيين الذين كانوا يعيشون بيننا يتمتعون بالأمن والأمان وحقوق للمواطنة، ثم التفتوا لينحروا أبناءنا بدم بارد، دعونا نتحدث بصراحة لاذعة، فالدم لا يحتمل المجاملات السياسية ولا التطييب الوجداني. حينما سيق أكثر من ألفي فتى وشاب في عمر الورد عُزّلاً لا يملكون سوى أحلامهم وبراءتهم إلى حتفهم لا لذنب ارتكبوه سوى إنهم من شيعة علي بن أبي طالب “عليه السلام”، انها ليست مجرد جريمة تضاف الى سجل الجرائم في تأريخ العراق بل هي واحدة من أبشع الجرائم الطائفية والإنسانية في القرن الحادي والعشرين. إذا أردنا التحدث عنها بجرأة وصراحة تامة بعيداً عن البيانات الدبلوماسية والمجاملات السياسية يجب أن نضع النقاط على الحروف في جوانب رئيسة أولها إنها جريمة قتل على الهوية وتطهير طائفي معلن. لم تكن معركة عسكرية بين جيشين بل كانت عملية إبادة جماعية منظمة استهدفت فئة معينة. تم عزل الجنود والطلاب العسكريين بناءً على هويتهم المذهبية الشيعية بشكل دقيق وصارم. مجزرة سبايكر هي مجزرة تكريت التي كانت لحظة سقوط قناع الإنسانية امتزجت فيها عقيدة وحشية لتنظيم إرهابي مع خيانة وتواطؤ محلي وطائفي بإشراف وتنفيذ رؤساء عشائر (البو ناصر والبو عجيل) في تكريت ليقتلوا آلاف الشباب الأبرياء الذين تحول نهر دجلة بدمائهم إلى اللون الأحمر. إنها تذكير دائم وثمين بما يمكن أن تفعله الطائفية والحقد والجهل بوطن بأكمله. لقد تراوح عددهم بين 1700 إلى 2000 شاب في مقتبل العمر كانوا عزلا تماما من السلاح تم سوقهم أسرى إلى حتفهم. لم تقتصر الوحشية على القتل بل تم توثيقها وتصويرها بإخراج سينمائي مرعب لنشر الذعر في مشهد يمثل ذروة السادية البشري. لم يقم تنظيم داعش الإرهابي الذي بارك الجريمة بهذه المجزرة حيث حدثت تفاصيلها في غضون ساعات قليلة قبل وصولهم لتكريت بمباركة ومشاركة فعلية من أبناء عشائر (البو عجيل والبو ناصر). لقد استغل هؤلاء القتلة الأمان الذي طلبه الجنود العزل وقاموا بخداعهم وتولوا بأنفسهم عمليات الإعدام المباشر عند قصور المقبور صدام وعلى ضفاف نهر دجلة. لقد أفصحت هذه الجريمة عن جرح غائر في النسيج الاجتماعي العراقي لأنه كشف كيف يمكن للأحقاد الطائفية والسياسية أن تدفع بجار أو مواطن لقتل ابن بلده بدم بارد.
الرحمة والغفران وعالي الجنان لأرواح الشهداء المغدورين، والخزي والعار للمجرمين القتلة الذين نأمل ان لا نرى بعضهم في سدة المسؤولية وبمناصب قيادية في الدولة العراقية تحت إطار الشراكة الوطنية، حسبنا الله ونعم الوكيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى