المساعدات العسكرية الأمريكية.. حماية أم سيطرة؟

بقلم: موفق محادين..
بالتزامن مع بداية الاعتداءات الأمريكية على المنطقة 2025/2026 والتي استهدفت إيران أساساً بعد أن أخذت على عاتقها ردع هذه الاعتداءات، بالتكامل مع المقاومة البطولية لحزب الله وبيئته في الجنوب اللبناني والضاحية والبقاع، صدرت مجموعة من الكتب التي تتناول المقاربات الأميركية للشرق الأوسط والمساعدات العسكرية الأمنية ذات الصلة والدول التي تتلقّاها.
من هذه الكتب (المساعدات الأمنية في الشرق الأوسط، حماية أم سيطرة) تحرير روبرت سبرينغبوغ وهشام العلوي، دار الساقي (لندن) 2025.
ابتداءً من الملاحظات الهامّة على الكتاب؛ أولاً عدم اهتمامه الكافي بالكيان الصهيوني على غرار ما فعله مع القوى الإقليمية الأخرى وذلك رغم إشارته السريعة إلى أنّ الكيان يتلقّى أكبر مساعدات في العالم، وثانياً تجنّبه أو عدم إدراكه للأهمية الاستراتيجية للهارت لاند أو قلب العالم الجنوبي الذي يكمل الهارت لاند الأوراسي كمحور حاسم في الصراع على العالم وتحديد مستقبله.
بحسب الكتاب، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هما الأكثر تسلّحاً وشراء للأسلحة في العالم والأكثر جذباً للمساعدات العسكرية والأمنية، وهو أمر نابع من الجيوبوليتيك وخزّان النفط والغاز ومن التأريخ أيضاً.
إلى ذلك، وفيما يخصّ العلاقة مع هذه الشراكات التابعة يكشف الكتاب عن تشوّش في المركز الأميركي نفسه إزاء الاعتبارات المركّبة المتداخلة، السياسية والأمنية والعسكرية، وإزاء بلبلة في الاستراتيجيات الأميركية نفسها وما يترتّب عليها في كلّ مرة من تداعيات مكلفة وخطرة.
المقاربات الأمريكية للدول المختلفة في الشرق الأوسط
إيران (نار المخيم).. بعد استعراض مؤشّرات اجتماعية وسياسية وعسكرية ذات صلة بينها عديد الجيش الإيراني (مليون تقريباً) يشكّلون 1-2% من السكان، يركّز الكتاب على ما يسمّيه استراتيجية نار المخيم، ويقصد بها الدفاع الإيراني خارج الأسوار، فمقابل الآراء التي تقارب السياسات الإيرانية من خلال ما هو شائع في إعلام المعسكر الآخر، تصدير الثورة، توسيع النفوذ، بالمقابل يستعرض الكتاب آراء أخرى على غرار ما كتبته “اريان طبطبائي” التي ردّت السياسة الإيرانية إلى استراتيجية الدفاع خارج الأسوار من أجل تأمين الاستقرار الداخلي، مستشهدة على موقفها المغاير للتوسّع المذهبي بالدعم الإيراني الكبير لقوى مثل حركة حماس، والتيار الزيدي اليمني الذي يقارب الحالة الشيعية من زوايا أخرى ولا يخفي تأثّره بمدرسة الاعتزال المبكر.
يتوقّف الكتاب عند سجالات أخرى حول الاستراتيجية الإيرانية التي تفوّقت على الاستراتيجية الأميركية كما يقول، فيما يخصّ العلاقة مع الشركاء كما طوّرها قاسم سليماني (التعليق من الكتاب صفحة 280)، وتدحض فكرة الوكلاء والأذرع مقابل توصيفات الدول العميلة في الجانب الآخر.
تركيا: من الغريب أنّ الكتاب لا يبدي الاهتمام الكافي بتركيا وموقعها في الصراع على الشرق الأوسط رغم حجمها والموقع المتقدّم لجيشها على الصعيدين الإقليمي والدولي، ويركّز على محدودية هذه الاستراتيجية في نطاق المجال الحيوي في سوريا والعراق، وفي تكريس البحث عن أدوار لوجستية محدودة في ليبيا ومناطق أخرى، انطلاقاً من إعادة تفسير التأريخ بقراءة عثمانية إمبراطورية.
دول مجلس التعاون الخليجي.. يتناول الكتاب هذه الدول من زوايا مختلفة، ديموغرافية وعائلية وإنفاق عسكري بلا معنى، وذلك وفق المعطيات الآتية:
–النسبة العالية للمهاجرين والوافدين، 87% تقريباً في الإمارات وقطر، 70% في الكويت، 54% في البحرين، 44% في عمان، 38% في السعودية، في إشارات تنتقص من الطابع السيادي لها كدول.
–ملاحظة أنّ الجيش في بلدان المجلس لم يؤدِ دوراً سياسياً داخلياً، كما فشل أمام قوى محلية مثل أنصار الله في اليمن (الإشارة إلى السعودية والإمارات)، وكذلك شراء الحماية وتكديس كميات هائلة غير ضرورية من الأسلحة، تترافق كما يقول الكتاب مع فلسفة العمولات والفساد.
–إنّ التهديدات الحقيقية للحكّام كانت تهديدات داخلية عبر الصراعات العائلية والانقلابات والتصفيات الدورية في عقود سابقة.
–بلغت واردات دول مجلس التعاون الخليجي من الأسلحة خلال الفترة بين 1970 – 2014 على النحو الآتي (تضاعفت بعد تلك الفترة): السعودية 263 مليار دولار، الإمارات 74 مليار دولار، قطر 57 مليار دولار، الكويت 36 مليار دولار، عمان 27 ملياراً، بمجموع أكثر بكثير من الإنفاق العسكري الإيراني.
لبنان: يركّز الكتاب فيما يخصّ لبنان على الجيش اللبناني بحدّ ذاته ضمن المعطيات الآتية:
–المهام التكتيكية المشوبة بإشكالات ناجمة عن الولاءات الطائفية.
ولا يتوقّع الكتاب أن يتمكّن الجيش اللبناني من تطوير قدرات قتالية مجهّزة بأسلحة حديثة، وذلك لأنّ “إسرائيل” لا تسمح بأية تعزيزات أو تطويرات حقيقية لأيّ جيش عربي على حدود فلسطين المحتلة، بما في ذلك الجيش اللبناني.
الأردن: بحسب الكتاب يعود الجيش إلى الفيلق العربي الذي تشكّل خلال الانتداب البريطاني على فلسطين وشرق الأردن، وتحوّل بسرعة إلى قوة يبلغ عديدها اليوم نحو 100 ألف عسكري إضافة إلى قوة جوية صغيرة ووحدات متخصصة في مكافحة الإرهاب.
لأسباب عديدة معروفة، وبالرغم مما أورده الكتاب من ملاحظات أميركية عن اختلالات متكرّرة بين توقّعات واشنطن والنتائج الفعلية، وعن تقديرات مبالغ فيها حول التعويل الأميركي على هذه المحطة أو تلك من العمل المشترك، إلا أنه كما يلحظ الكتاب نادراً ما تعرّض الأردن لنقد الكونغرس أو البيت الأبيض، وأنّ المساعدات العسكرية السنوية للأردن في السنوات الأخيرة تتراوح بين 400 – 500 مليون دولار، وأنّ واحداً من كلّ عشرة دنانير تُنفق في الأردن مصدرها واشنطن.



