اخر الأخباراوراق المراقب

آيــاتُ الأَنْــفُــس فــي الــقٌــــرْآن الكــــريــم

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي

 البحث في القرآن الكريم يُعدُّ من نعم الله تعالى على عباده من خلال توفيقهم لذلك في سبر أغوار أسراره التي لا تنضُب وعجائبه التي لا تنقضي، فمنذ أن أنْزله الله تعالى على خير خلقه وحافظ سرِّه ومبلِّغ رسالاته محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)؛ أعجبَ العربُ ببلاغته وفصاحته، فكان لهم بمثابة الصدمة التي هزَّت كيانهم وأسكتتهم دهراً من الزمن، حتَّى قال قائلهم: في ((فِي قِصَّةِ أَبِي جَهْلٍ حِينَ جَاءَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ، هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ صَخْر بنِ حَرْب، والأخْنَس بْنُ شِريْق، وَلَا يَشْعُرُ واحدٌ مِنْهُمْ بِالْآخَرِ. فَاسْتَمَعُوهَا إِلَى الصَّبَاحِ، فَلَمَّا هَجَم الصُّبْحُ تَفرَّقوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِلْآخَرِ: مَا جَاءَ بِكَ؟ فَذَكَرَ لَهُ مَا جَاءَ لَهُ ثُمَّ تَعَاهَدُوا أَلَّا يَعُودُوا، لِمَا يَخَافُونَ مِنْ عِلْمِ شَبَابِ قُرَيْشٍ بِهِمْ، لِئَلَّا يَفْتَتِنُوا بِمَجِيئِهِمْ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ جَاءَ كُلٌّ مِنْهُمْ ظَنًا أَنَّ صَاحِبَيْهِ لَا يَجِيئَانِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعُهُودِ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا جَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلَاوَمُوا، ثُمَّ تَعَاهَدُوا أَلَّا يَعُودُوا. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ جَاءوا أَيْضًا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَعَاهَدُوا أَلَّا يَعُودُوا لِمِثْلِهَا [ثُمَّ تَفَرَّقُوا))، وكيف لا وهو من أعلى وأسنى وأطيب ما سَمِعَتْ الأذن وما خطر على قلب بشر؟!؛ لذلك صمتَ مَن صمت وأعجب فيه الكثير.

 وقد وفَّق الله تعالى من عباده الذين اختارهم لحمل علمه وأسرار كتابه للبحث فيه وتدارسه وكشف مكامنه الثريَّة ونشرها في أوساط خلقه، فمنهم مَن انبرى لتفسيره ومنهم مَن حاول جاهداً لكشف القواعد العامة لأصوله ونحوه، ومنهم مَن أجال نظره فيهه لكشف بلاغته وجمالياته وغيرهم من العلماء.

 ومن جماليات التحليل القرآني؛ ما جاء في آيات الأنفس المباركة: وهي الآيات القرآنية التي جاءت فيها كلمة (الأنفس) بصيغتها الجمعيَّة بجمع القلَّة التي هي على وزن (أفْعُل) والمجردة من أي إضافة أخرى؛ أي: مجردة من ضمير الجمع (هم) و(هُنَّ) وغيرها من الإضافات، ولسبر غور هذه الآيات المباركة؛ لا بدَّ من بيان المعاني اللغوية والاصطلاحية لمفردات العنوان وبوساطتها نفكّ شفرات ما قد يُسْتغلق داخل مباحث البحث.

 ماهيَّة النفس في فكر أهل البيت (عليهم السلام)

 جاء مفهوم النَّفس وبيان ماهيَّتها عند الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن كُميل بن زياد النخعي (رضوان الله تعالى عليه) قال: ((سألت مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن تعرِّفني نفسي، قال: يا كميل وأي الأنفس‏ تريد أن أعرفك؟ قلت: يا مولاى وهل هي إلّا نفس واحدة؟ قال: يا كميل إنَّما هي أربعة: النامية النباتية والحسية الحيوانية والناطقة القدسية والكلية الإلهية، وكلِّ واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان: فالنامية النباتية لها خمس قوى: جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة ومربية، ولها خاصيتان: الزيادة والنقصان، وانبعاثها من الكبد، والحسية الحيوانيّة لها خمس قوى: سمع وبصر وشمّ وذوق ولمس، ولها خاصيتان: الشهوة والغضب، وانبعاثها من القلب، والناطقة القدسية لها خمس قوى: فكر وذكر وعلم وحلم ونباهة، وليس لها انبعاث وهي أشبه الأشياء بالنّفوس الملكيّة ولها خاصيتان: النزاهة والحكمة، والكلية الإلهية لها خمس قوى: بقاء في فناء ونعيم في شقاء وعزّ في ذل وفقر في غَناء وصبر في بلاء، ولها خاصيتان: الرضاء والتسليم: وهذه التي مبدأها من اللّه وإليه تعود قال اللّه تعالى: ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، وقال: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، والعقل وسط الكل)، فما خفي عن الناس نجده عند باب مدينة العلم الذي لا يُؤتى إلّا منه، ومَن غير أمير المؤمنين (عليه السلام) يأتي بالقول الفصل؟!.

* أنواع النفس في القرآن الكريم: أمَّا أنواع النفس فهي:

1. النفس الأمَّارة: وهي التي تأمر الإنسان بالسيئات، والتي قال عنها القرآن الكريم:(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

2. النفس اللَّوامة: وهي التي تندَم بعد ارتكاب المعاصي والذنوب فتلوم نفسها والتي قال عنها القرآن الكريم: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ).

3. النفس المطمئنة: وهي النفس الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن والواصلة إلى مرحلة الاطمئنان والراحة والطاعة التامة لأوامر الله والمشمولة بعناياته الربانية، والتي قال عنها القرآن الكريم: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ).

4. النفس الراضية: وهي النفس التي رضيت بما أوتيت، والتي قال عنها القرآن الكريم: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً).

5. النفس المرضية:، وهي النفس التي رضي الله عَزَّ وجَلَّ عنها والتي قال عنها القرآن الكريم: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً).

6. النفس المُلهَمَة: وهي النفس التي ألهَمَها الله عَزَّ وجَلَّ والتي قال عنها القرآن الكريم: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا).

 والفرق بين الأنواع والماهيَّة واضحٌ: أي أنَّ الأنواع تكون إحداها في ذات الشخص، في حين أن الماهية (وهي تقسيمات الإمام علي عليه السلام) تكون كلها في جميع الأنواع؛ أي: كلُّ نوع من الأنواع المذكورة في القرآن الكريم يحتوى على جميع التقسيمات من الماهيَّة.

 مفهوم الروح في فكر أهل البيت (عليهم السلام):

ذهب العلماء إلى الترادف بين الروح والنَّفس ــ كما تقدَّم ــ في حين فرَّق الإمام الباقر (عليه السلام) بينهما؛ فجاء: ((عن جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال: سألته عن علم العالم؟ فقال لي، يا جابر إن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح، روح القدس، وروح‏ الإيمان‏، وروح الحياة وروح القوة وروح الشهوة فبروح القدس يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى، ثم قال: يا جابر إنَّ هذه الأربع الأرواح يصيبها الحدثان، الأرواح القدس فإنَّها لا تلهو ولا تلعب)) ، فيشترك الناس في أربع منها، وروح القدس تكون خاصَّة في الأنبياء والأوصياء. ومن ذلك صار الفرق واضحاً بين الروح والنفس؛ فلا ترادف بينهما.

ولتسهيل الأمر بين الروح والنفس: فالروح بمثابة بطارية السيارة تقوم بتشغيلها ومدِّها بالطاقة الكهربائية؛ أمَّا النفس فهي الآليات التي تحتوي عليها السيارة من مِقْوَد وفرامل وأجزاء أخرى، والدليل على ذلك، أنَّ الإنسان لمَّا ينام ترتفع روحه من جسده إلَّا أنَّ نفسه تبقى في الجسد فيتحرك يميناً وشمالاً، وما إن تعود روحه إليه؛ يستيقظ وينهض وتتم عملية الحركة بطاقة الروح وأعضاء النفس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى