اخر الأخبارثقافية

“فلسطين 36”.. حكاية وطن تُروى على الشاشة الكبيرة

المراقب العراقي/ متابعة..

يأتي فيلم “فلسطين 36” بوصفه عملاً درامياً تأريخياً يتجاوز حدود السرد السينمائي التقليدي، ليغوص في طبقات الذاكرة الفلسطينية ويوثق بدايات الثورة الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني ويعيد تقديمها برؤية فنية معاصرة تمزج بين الوثيقة التأريخية والدراما الإنسانية، العمل من تأليف وإخراج آن ماري جاسر، التي تواصل مشروعها السينمائي القائم على تفكيك التأريخ الفلسطيني وإعادة قراءته من زوايا إنسانية وسياسية متداخلة، ما يمنح الفيلم ثِقلاً فكرياً يتجاوز حدود الشاشة.

يتميز الفيلم باختياره لمرحلة تأريخية حساسة، حيث لا يكتفي باستعراض الوقائع، بل يحاول إعادة بناء المناخ الاجتماعي والسياسي والنفسي لتلك الفترة، عبر شخصيات متعددة تمثل شرائح مختلفة من المجتمع. هذا التعدد في الأصوات يخلق نسيجاً درامياً مركباً، يسمح للمُشاهد بالتفاعل مع الحدث من زوايا متعددة، لا من منظور واحد أحادي.

على مستوى الأداء، يبرز حضور أسماء عالمية وعربية مثل جيريمي آيرونز وهيام عباس وكامل الباشا، ما يعكس طموحاً إنتاجياً واضحاً نحو تقديم العمل كفيلم قادر على المنافسة في المحافل الدولية، هذا التنوع في الطاقم التمثيلي يمنح الفيلم توازناً بين الأداء المدرسي الكلاسيكي للسينما الغربية والعمق التعبيري للمدرسة العربية في التمثيل.

أمَّا بصرياً، فيعتمد الفيلم على لغة تصويرية تميل إلى الواقعية المشبعة بالتفاصيل، حيث تُستخدم البيئات الطبيعية والديكورات التأريخية لإعادة بناء زمن مضى دون الوقوع في فخ الاستعراض البصري المبالغ فيه، الكاميرا هنا ليست مجرد أداة توثيق، بل وسيلة لخلق حالة شعورية تعكس ثقل المرحلة التأريخية وتعقيداتها.

من الناحية الفكرية، يطرح الفيلم سؤال الهوية والذاكرة والتمثيل السينمائي للتأريخ، دون تقديم إجابات جاهزة، بل يترك المتلقي أمام مساحة تأمل واسعة، وهذا ما يمنحه بعداً فلسفياً يتجاوز كونه فيلماً تقليدياً إلى عمل يقترب من السينما التأملية السياسية.

ترشيح الفيلم لتمثيل فلسطين في جوائز الأوسكار يعكس أيضاً الرهان على البعد العالمي للعمل، ليس فقط كقصة محلية، بل كحكاية إنسانية تحمل أبعاداً كونية تتعلق بالذاكرة والعدالة والهوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى