لماذا نبدي مخاوفنا من الاطماع التركية في الموصل ؟
محمود الهاشمي
قبل أكثر من عام دخلت القوات التركية الاراضي العراقية دون علم الحكومة الاتحادية في بغداد ، وأثار دخولها موجة من السخط لدى الاوساط العراقية والعالمية ، فقد ادانت الامم المتحدة الدخول واعتبرته تجاوزا على سيادة العراق ، ومثل ذلك فعلت الجامعة العربية إلا ان القوات التركية مازالت مرابطة في بعشيقة (60 كم عن مركز الموصل) فيما يزداد عددها يوما بعد يوم معززة بالدروع والآليات العسكرية المختلفة برغم كل الاعتراضات . الاتراك يقولون ان مسعود بارزاني هو الذي اذن لهم بالدخول بدعوى تدريب قوات البيشمركة ، وآخرون يتهمون وزير الدفاع العراقي بعقد الصفقة ، والسؤال المهم : لماذا هذا الاصرار من قبل الاتراك على بقاء قواتهم على ارض العراق برغم كل الاعتراضات ؟ الجواب يقول ان تركيا عينها على الموصل وكركوك منذ معاهدة سيفر في اعقاب الحرب العالمية الاولى والمتضمنة فصل العراق عن الدولة العثمانية عام 1920 والتي رفض يومها الرئيس التركي كمال اتاتورك التوقيع عليها . وفي عام 1923 تم عقد اتفاقية بين بريطانيا وتركيا لرسم الحدود الجديدة لتركيا مع جيرانها وتضمنت الاتفاقية بندا يقول (اذا اقتصت الضرورة يقرر مصير اجزاء الامبراطورية العثمانية التي تسكنها اكثرية كردية وتركمانية وعربية أو التي كانت حين عقدت هدنة 30 تشرين الاول 1918 وفقا لتصويت سكانها الحر)!! فالأتراك يعتقدون ان ولاية الموصل امتداد طبيعي لهضبة الاناضول وان الاكراد والأتراك الموجودين في الموصل وكركوك هم من اصول تركية !! ووفق اتفاقية لوزان تم اجراء استفتاء على ولاية الموصل عام 1924 تحت اشراف عصبة الامم المتحدة فأوفدت الحكومة العراقية يومها كلا من جعفر العسكري (وزير دفاع) وتوفيق السويدي (وزير عدل) بصفة مراقبين الى جانب الوفد البريطاني وفي ضوء نتائج الاستفتاء قرر مجلس عصبة الامم في 16 كانون الاول عام 1925م ابقاء الموصل وكركوك والسليمانية ضمن الحدود العراقية بعد ان صوت اهالي هذه المدن لصالح الانضمام الى العراق ، فيما كانت اسرة النجيفي المتمثلة بجدهم محمد النجيفي (نائب في البرلمان) هي الوحيدة التي ترغب بضم هذه المناطق الى تركيا بعد اغراءات قدمتها لهم تركيا انذاك وحاولت بريطانيا استرضاء تركيا بعد عودة هذه المناطق الى العراق عبر منحهم قرضا بمبلغ 20 مليون جنيه استرليني مع تخفيض لديون تركيا فيما شجعت بلغاريا واليونان للوقوف ضدهم . وقد وافقت تركيا على الاستفتاء عام 1926 م والتنازل رسميا عن المناطق اعلاه مقابل منحها 10% من عائدات النفط المستخرج من منطقة الموصل وكركوك لمدة 25 سنة وقد تم لها ذلك !! بقيت تركيا عينها على ولاية الموصل وكركوك ، وتتربص الفرص لاسترجاعها فيما تحرض الصحف التركية حكوماتها على ذلك وتدعوهم الى المزيد من الضغط كلما تعرض العراق الى تهديد أو مشكلة داخلية ، فمثلا عام 1986م وعندما روج الاعلام الى دخول القوات الايرانية الاراضي العراقية من الشمال فكرت تركيا بالدخول الى الاراضي العراقية وحشدت جيوشها على الحدود للسيطرة على الموصل وكركوك بدعوى تعرض المواطنين التركمان للاضطهاد وأصدر البرلمان التركي بيانا قال فيه (تركيا لن تبقى صامتة دون الاهتمام بكركوك والموصل ،)!! في عام 1987، وعندما اشيعت اخبار عن نية ايران دخول محافظة البصرة اثناء الحرب العراقية الايرانية قامت الصحف التركية بحملة اعلامية تطالب بضرورة تدخل تركيا وضم الموصل وتركيا اليها !! بدعوى ان منطقتي الموصل وكركوك بقيتا خارج الميثاق الوطني التركي لعام 1920 م. لكن الرئيس التركي اوزال علق على ذلك (تركيا ليست بحاجة الى مغامرات). في اعقاب احتلال العراق للكويت عام 1990م أكد رئيس الوزراء التركي اوزال على ضرورة تدخل تركيا في الموصل وكركوك وفاتح الرئيس التركي بذلك والمطالبة بنفط الموصل وكركوك (المغتصب) على حد قوله !! منذ عام 1991 وحتى عام 2003م كانت القوات التركية تقوم بعمليات عسكرية متكررة حتى قبل انسحابها قامت بعملية عسكرية واسعة اسمتها (فولاذ) .. وعام 1995م طالب الرئيس التركي سليمان ديميرل بإعادة ترسيم الحدود مع العراق ، وضم الموصل وكركوك الى تركيا!! منذ خمسين عاما وتركيا ترفض عقد اتفاقية مع العراق بشأن المياه ، وقد بدأت الازمة عندما بنت تركيا سد (GAD) جنوب شرق الاناضول على منابع دجلة والفرات والذي يتكون من 21 سدا بدعوى مبدأ السيادة على النهرين ويؤكد خبراء ان تركيا تطلق مياه النهرين بين الوديان حتى لا تصل الى العراق وسوريا . وقد شجعت اسرائيل هذه المشاريع ودعمتها ماليا وفنيا وكان هناك مشروع لمد انابيب احدهما شرقي والآخر غربي ينقلان الماء الى الجزيرة العربية والآخر الى اسرائيل ليأتي بعائدات الى تركيا تقدر بملياري دولار سنويا . بعد عام 2003 م تعاملت تركيا مع العراق بأنه دولة بلا سيادة ، وعقدت العديد من الاتفاقيات مع اقليم كردستان دون الرجوع للحكومة الاتحادية وأهمها عقوبة النفط فيصدر نفط الاقليم عبر اراضيها مقابل دولار عن كل برميل على ان تودع مبالغ العائدات في المصارف التركية !! وتعمل في الاقليم 1023 شركة تركية ! شجعت تركيا الاقليم على الانفصال ، واستقبلت مسعود على انه الزعيم القومي للأكراد نكاية بزعيم حزب العمال التركي اوجلان ، حيث اصدر حزب العمال بيانا دان فيه عملية تسويق مسعود بديلا عن اوجلان .في الثاني من اب عام 2012م زار وزير خارجية تركيا احمد داوود اوغلو كركوك دون التنسيق مع الحكومة الاتحادية وعدها العراق يومها انتهاكا للسيادة . عادت تركيا العملية السياسية في العراق ، وعمدت الى استقبال ورعاية الفارين والمطلوبين للعدالة في العراق ورعت مؤتمراتهم وتوجهاتهم . رعت تركيا الارهاب وتعاملت مع المنظمات الارهابية على انها دول يتم التفاوض معها ، وكانت تخطط بالتنسيق مع هذه المنظمات لاستعادت الموصل ، حيث ان قصة القنصل التركي في الموصل اثناء دخول داعش ، ومعه طاقم القنصلية قد اعيدوا الى تركيا بشفافية عالية ودون اذى برغم ان داعش مارس مهنة القتل والذبح والتدمير مع اول دخوله الموصل فكيف اعيد هؤلاء الى بلدهم ؟ كما ان تركيا باشرت ببيع النفط المنهوب من العراق لصالح التنظيمات الارهابية وبأسعار زهيدة ؛ وقد كشفت المخابرات الروسية تفاصيل عملية البيع والشراء ، ناهيك عن التسهيلات الكبيرة التي منحتها تركيا الى المنظمات الارهابية عبر عمليات المرور عبر اراضيها وتوفير معسكرات التدريب وغيرها من التسهيلات المالية كل هذا على حساب دماء الابرياء من الشعب العراقي ومصير العراق !! حتى يومنا هذا مازالت تركيا كلما يتم الاعداد للموازنة في بلدهم ترصد مبالغ (وهمية) الى ولاية الموصل وكركوك !! الان القوات التركية على ارض العراق برغم كل الاعتراضات والتهديدات وتدعي انها جزء من القوات المشاركة في تحرير الموصل ، وفي اخر تصريح لرئيس الوزراء حيدر العبادي قال: (مخاوفنا من الاطماع التركية في الموصل حقيقية).



