اراء

حدود التعاون والتنافر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والسعودية

مها شكر محمود

يترك التبدل الشديد بالعلاقات بين أي بلدين في محيط التفاعلات الدولية، جملة تساؤلات ربما تتلامس مع الحواكم الرئيسة لهذا التبدل، ولاسيّما إن هذا التنافر الشديد وصل إلى حد القطيعة وترقى إلى صراع غير معلن، فالسعودية اليوم تعيش حد الهوس في معاداة إيران وحلفائها، حتى لو ترتب على ذلك أنفاق مليارات الدولارات أو منح بعض من حقولها النفطية على الطريقة البدوية، فهي تتابع كل شيء منشغلة بالتفصيلات على كثرتها، وتركت أمور التنمية والفقر والبطالة وانخفاض أسعار النفط، وتخلف بعض مناطقها … الخ، وانشغلت بالهم الإيراني، فبعض من النجاحات الإيرانية لا تستطيع السعودية بقدها وقديدها أن تصل إليها أو تحصل عليها، من مثل دورة الوقود النووي أو صناعة أجهزة الطرد المركزي، تخصيب اليورانيوم، النانو تكنولوجي، تكنولوجيا السدود، الحرب الالكترونية، صناعة طائرات التجسس … الخ، حتى أنها فكرت بشراء قنبلة نووية من باكستان كرد جميل لما قدمته السعودية من أموال لانجاز ذلك. وتسعفنا مسيرة العلاقات السياسية بين المملكة العربية السعودية وإيران، إن هذا العداء لم يكن طافياً على سطح العلاقات في ظل حكم الشاه لإيران، كونه كان يسمى (شرطي الخليج)، ولم تنبس السعودية ببنت كلمة في إعلامها ولو مرة واحدة بالضد من السلوكيات السياسية لإيران الشاه حتى عام 1979، إذ كان شاهنشاه إيران يهدد عروش أمراء وملوك الخليج والجزيرة العربية، ويذهب هؤلاء ليلوذ بالولايات المتحدة ليقدموا كل الولاء والاستعداد لما يرضي حاكم إيران، إلا أن اللحظة المفصلية في تاريخ هذه العلاقة قد أميط اللثام عنها على خلفية الثورة الإسلامية 1979، التي تبنت موقفين أساسيين لم تحيد عنهما وهما: مقاومة الاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة، والقضية الفلسطينية وإنهاء (الاحتلال الصهيوني) لها. هذان الموقفان هما أساس المشكلة ومثارها المستمر، فالسعودية لا يمكن لها حماية أمن نظامها من دون الولايات المتحدة، التي أملت فراغ القوة بعد رحيل بريطانيا عن المنطقة من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن السعودية لم تكن يوماً جادة في حل القضية الفلسطينية أو في معاداتها للكيان الصهيوني، فالتنافذ السياسي والتواصل ما بين السعودية و(إسرائيل) لم ينقطع يوماً حتى لو كان بوساطة أطراف أخرى، وصولاً إلى الحالة القائمة بفتح كل القنوات مع إسرائيل، عندما عدت السعودية الكيان الصهيوني (حليف) وليس (عدو)، وأنه جزء من حل المشاكل في المنطقة وليس سبباً فيها، وهذا تحول استراتيجي كبير في سياسة السعودية وأخواتها، بل الأدهى من ذلك هو تبني السعودية وقطيع الدول الخليجية والدول الارتزاقية الأخرى، أنها تتبنى خط التضامن مع الكيان الصهيوني في معاداة إيران وكل الأحزاب أو الحركات التي تعادي الكيان الصهيوني وتجعل القضية الفلسطينية قضيتها المركزية. ومثلما كانت السعودية تساند الولايات المتحدة في منع التغلغل الشيوعي في المنطقة ومنع الاتحاد السوفيتي (السابق) من الوصول إلى المياه الدافئة، فإنها تطبق الأمر نفسه في مساندة الولايات المتحدة في منع تمدد إيران، وفي كلتا الحالتين اتكأت السعودية على معين المجموعات الدينية المتطرفة (الجهادية) التي تشبعت بالفكر الاقصائي والتكفيري، ومثلما ساعدت في تأسيس وإنشاء القاعدة كقوة (إسلامية- جهادية) لمقاومة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، فإنها ساعدت في تفريخ أجيال من القاعدة من مثل (داعش- النصرة– جيش الفتح- أحرار الشام- جيش المجاهدين… الخ)، جميع هذه المجموعات التي يربو عددها على أكثر من (100) تشكيل ومجموعة، جميعها تتغذى من معين فتاوى وفكر ومذهب واحد، وتعتاش وتتسلح بالمال النفطي سواء أكان سعودياً أم إماراتياً أم قطرياً، بصورة رسمية أم عبر ما يسمى بالمنظمات الخيرية. ولكنها لم تكن بعيدة عن إجراءات الرقابة المصرفية في مختلف هذه الدول، فضلاً على الجهاز المالي الأميركي الذي لا يترك شاردة أو واردة في مجال التحويلات المالية عبر العالم. إلا وعرف مصدرها ووجهتها. إن العداء السعودي المعلن لإيران تحت ذرائع طائفية صرف، لا يخفي دوافع حقيقية من الدور الإيراني في المنطقة، لاسيّما بعد ترحيبها بالتغيرات التي طالت بلدان عربية تحت ضغط الحراك الشعبي أو ما تسميه إيران (الصحوة الإسلامية)، كونه أطاح برموز ترتبط بالمشروع الأميركي– الإسرائيلي، وهو ما أخاف السعودية من وصول عصف التغيير إلى رمال صحرائها، لهذا عجلت بفتح جبهات على حلفاء إيران (سوريا- حزب الله في لبنان- فصائل المقاومة في العراق- الحوثيين في اليمن- احتلال البحرين- قمع مواطني المنطقة الشرقية)، عن طريق الجماعات الإرهابية، كما تشغل المنطقة وتعمل على تراصف القوى الدينية المتطرفة لمحاربة إيران وحلفائها، والتمكين من تجميد الاستحقاقات المجتمعية في السعودية. إن الدفع بالتنافر إلى أقصاه من شأن أن يضر باستقرار المنطقة وأمنها ويفتح المنطقة لمزيد من التدخل الخارجي والتواجد العسكري الدولي، بجانب زيادة الأنفاق العسكري والتسلح لصالح المجمع الصناعي- العسكري الأميركي، الذي ضاعف من أرباحه خلال السنوات 2010-2016. لذلك فأن فرص التعاون بدلاً من التنافر بين البلدين برغم صعوبة تحقيقها في الأجل القصير لسعة الافتراق فيما بينهما، لكون كل طرف يتبنى رؤية مختلفة عما يمكن أن تكون عليه حال المنطقة وقضاياها، فضلاً على القرار السعودي في تبني عداء وصراع صريح ومفتوح مع إيران، في ظل وصول قيادة سعودية جديدة، وهي حالة تماثل ما حصل في العراق في تموز عام 1979 بعد أشهر قليلة من قيام الثورة الإسلامية في إيران، وهذه إعدادات أميركية محسوبة، لغرض مواجهة إيرانية- أميركية ولكن عبر وكلاء الأخيرة. وهو ما يعني غليان واضطراب المنطقة إلى سنين قابلة. وبصرف النظر عن توافر عوامل كثيرة مفضية للتعاون وأخرى إلى التنافر، إلا أن العامل الخارجي يظل هو المتغير الحاكم في عملية التعاون والتنافر بين الأطراف الإقليمية، فمخرجات السياسة السعودية تلبي في جزء كبير منها المصالح الأمريكية التي ستظل متنافرة مع التوجهات الإيرانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى