اراء

التاريخ لا يسجل الأماني بل الأفعال

عبد الخالق الفلاح

الاحداث الأخيرة في بعض المحافظات في الاعتداء على المؤسسات الحكومية والحزبية تشكل ناقوساً خطيراً لسير العملية السياسية والأمنية للبلد. وبالذات في هذا الوقت الحرج وشعبنا في صراع مع قوى الشر هذا الزمن الذي هو زمن تنازع الأمم للبقاء، وفيه تنشط عوامل الفساد والتجزئة. في مقابل ذلك عوامل للخير والعطاء، ولا يخلو اي مجتمع من هذين المفهومين، أن تلاحم وتكاتف ووحدة الصف من شأنه تفويت الفرصة على مرضى النفوس ومن يريدون العبث بأمن اي مجتمع وبلد واستقراره ويحاول إدخاله في أتون الفوضى، ولكن الاعتماد على مد يد التعاون والبناء ونبذ الخلافات ورص الصفوف من أجل بناء الوطن بعيدا عن المماحكات والخلافات ومخلفات الماضي البغيض هو السبيل لإنقاذه من الضياع. نعم بالعزم ينبثق الفجر من أشد ساعات الليل حلكاً ليعلن مبدأ جديدا هو مبدأ الإرادة، ورص الصفوف، ووحدة الكلمة، السبيل لأي شعب حي يريد سيادته على نفسه ووطنه ليحقق مثله الأعلى. أن المبادئ توجد الشعوب لا الشعوب للمبادئ، أن كل مبدأ لا يخدم سيادة الشعب نفسه ووطنه هو مبدأ فاشل، وكل مبدأ صحيح يجب أن يكون لخدمة حياة المواطن. نحن علينا ان نكون هكذا، اذا وضعنا أيدينا على العلة ووجهنا انظارنا إلى الأمام، وصرنا قلباً واحداً، وشعب حي يريد الحياة الحرة الكريمة، وبقدر ما يحب الحياة يحب الحرية. ويحب الموت متى ما كان الموت طريقاً إلى الحياة. منذ اللحظة التي أخذنا فيها نجمع بين الأفكار والعواطف ونلم شمل قوانا المعرضة للتفرقة بين عوامل الفوضى السياسية المنتشرة في طول بيئتنا وعرضها ونُكَون من هذا الجمع وهذا اللّمّ نظاماً جديداً ذا أساليب وأطر جديدة يستمد حياته من القيم والحضارة ويصمد امام الملمات والأزمات، ومن هنا يجب التركيز على الجوانب المضيئة للدين كعامل استقرار بين الشعوب وليس عامل احتراب وصراع، وبيان جوهر الدين الحقيقي المبني على الرحمة والعدل واحترام الإنسانية. منذ تلك الساعة يمد الفجر ذراعه من الليل وتخرج حركتنا من الجمود وتنطلق من وراء الفوضى قوة الارادة باتجاه الحركة، ونصبح أمة بعد أن كنا قطعاناً بشرية وتغدوا دولة تقوم على دعائم ومرتكزات مثل:- الدين، الوطن، الوحدة، الحرية، النظام، القوة، بعد ان نقضنا فعل التاريخ الجامد وابتدأنا تاريخنا المتحرك الصحيح والتاريخ الحقيقي. بالحاضر الحقيقي- بشرط ان نعقد فيها القلوب والقبضات على الوقوف معاً والسير معاً في سبيل تحقيق المطالب العليا المعلنة وفي غاياتها، ووضعنا أيدينا على المحراث لنزرع ووجهنا صدورنا لمواجهة القادم، كما عرف عنا مثل شعوب الارض لأننا نحب العزة. ولا نخضع للظلم. بالمعنى الصحيح. كل ما كان هنالك تململ من حالات غير طبيعية لا يمكن أن يأنس إليها اي شعب أو يجد فيها سداً لحاجاته الحيوية. ان من هم في العملية السياسية جعلوا همهم استثمار هذا التململ لينالوا مكانة يطمعون فيها، واستندوا في تزعمهم إلى منافذ مأخوذة من مبادئ الزمن الماضي جعلت من الشعب مسلوب السلطة وإرادته مرهونة بيد جماعات معينة تبذل مصالح الشعب في سبيل نفوذها. وراء البعض من هؤلاء دول طامعة في هذا العصر لدعم قادتهم بالمال فلجأوا إلى طرق ملتوية، يتناغمون بكلمات الحرية والاستقلال والمبادئ ويتلاعبون بهذه الألفاظ لإيهام الجهلة وينزلونها في غير منزلها، دهاليز وأستاراً تلعب وراءه الأهواء والأغراض، المتزعمون على الساحة السياسية اتخذوا من الشعب وسيلة للتعبير عن بعض المبادئ. فعكسوا الآية بطريقة لبقة فضفاضة، وقد يكون ذلك عن جهل مطبق، وكونوا قضية مضحكة مبكية هي قضية جعل الشعب وقفاً على مبادئهم وتضحيته في سبيل تلك المبادئ. وقد كادوا ان ينجحون في ذلك. لكن إن إرادتنا نحن هي التي تقرر كل شيء متى ما وقفنا على أرجلنا ودافعنا عن حقنا في الحياة بقوتنا. ومنها فصاعداً سوف تدير أرادتنا دفة الأمور. ومنها فصاعداً يجب على كل عضو في المجتمع ان يشعر أنه آخذ في التحرر من السيادة الأجنبية والعوامل الخارجية المخضعة، لأنه في دولته المستقلة التي لا تستمد قوتها إلا من شعبها ولا تستند إلى قوى خارجية. ولو حتى اذا تصورنا قد تحررنا ضمن وطن بعيد عن السيادة الأجنبية والعوامل الخارجية، يبقى علينا أن نعمل من اجل انقاذ أمتنا بأسرها وأن نحرر ارضنا بكامله من عوامل التصدع والإنحراف. برغم الخطورات والأزمات التي سوف نواجهها وصعوبات داخلية وخارجية يجب أن نتغلب عليها، مبتدئين بعد أن نكون قد تغلبنا على الصعوبات الداخلية. متكئين على قواعد حيوية تأخذ الأفراد إلى النظام وتفسح أمامهم مجال التطور والنمو على حسب مواهبهم ومؤهلاتهم «الصعوبات الخارجية» فتهون متى ما تغلبنا على الصعوبات الداخلية، وتمركزت إرادتنا نحو وضع الحلول التي تضمن وحدتنا وتمنع عوامل القسمة التي يحاول البعض تعزيزها في المجتمع بمسميات الأقاليم الطائفية والمذهبية أو أي شكل فيه خطوات للتشتيت والانقسام والتشرذم ومن ثمة الفوضى العارمة وزرع المفاهيم المغلوطة في المجتمع التي تسوق اهدافهم. وفي هذا الصراع بين عوامل الرجعة وعوامل التجدد نؤمن بانتصار القوى الجديدة، والقوى المجددة، القوى التي تريد أن تتغلب على كل ما يقف في طريقها للخروج من حالة الهرج والمرج الى نظام فيه من القوة والمنعة، وتذهب إلى حالة عنوانها التآخي وشعارها المبادئ، عوامل الخير عموماً يؤمنون بضرورة هذا التغير إيماناً تاماً. وقد يخرج من افواهنا ولكن إثباته على صفحات التاريخ يتوقف على جهادنا. فالتاريخ لا يسجل الأماني ولا النيات بل الأفعال والوقائع. لا شك ان الأحرار، يتجلى فيهم دلائل القوة والعزم ماثلة أمامنا، وفي أن أفعالهم ووقائعهم ما يثبت حكم إرادتهم التي لا تعرف عجزاً ولا هواناً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى