اراء

التظاهرات الطلابية في الولايات المتحدة الأمريكية.. هل تُنهي اللعبة ؟

بقلم: بثينة عليق..

بعد شتاء أوروبي طويل وقاسٍ، وفي تموز 1947، أعلن الجنرال جورج مارشال، رئيس أركان الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية والذي أصبح وزير خارجية ترومان، المشروع الذي حمل اسمه، والذي يهدف إلى التعامل مع الأزمة الكبرى التي خلفتها الحرب، والتي تركت أوروبا منهكة مفلسة يسودها القلق الاجتماعي والعوز والحرمان.

اختار مارشال جامعة “هارفرد” ليلقي خطابه الذي استغرق عشر دقائق، والذي شكّل لحظة فارقة ولحظة تحوّل في مصير أوروبا بعد الحرب.

حذّر مارشال من أن “العالم كله وأسلوب الحياة قد أصبحا في الميزان بالمعنى الكامل للكلمة” ودعا ما سمّاه “العالم الجديد” إلى العمل من أجل تفادي انهيار “الأساس التاريخي للحضارة الغربية”.

هذه المهمة التاريخية اختار مارشال أن يطلقها من جامعة “هارفرد” وليس من على أي منبر حكومي رسمي، وهو ما عدّته الكاتبة فرنسيس ستونز سوندرز في كتابها “الحرب الباردة الثقافية” أنه لم يكن مصادفة. فطلاب الجامعة كانوا هم الرجال المنوط بهم تحقيق “قدر أمريكا الجلي”، انطلاقاً من كونهم النخبة التي تواجه التحديات، والتي تسعى لتنظيم العالم حول القيم الأمريكية التي توجس الأمريكيون من أن “الظلام الشيوعي يقوم بطمسها بهدوء”.

هذه الحادثة الرمزية تعكس الأهمية الكبرى التي يوليها الأمريكيون للجامعات، وتؤكد أن المؤسسات الأكاديمية هي جزء من الترسانة التي تعمل عليها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تعزيز مشروع هيمنتها العالمي.

الجامعات كما أجهزة الاستخبارات والجيش ووسائل الإعلام والسينما وغيرها من المؤسسات التي تنتظم وتتجند لخدمة هذا المشروع، الذي شكلت نهاية الحرب العالمية الثانية نقطة تحوّل في مساره التصاعدي.

من هنا، يساور القلق الشديد النخبة الحاكمة في واشنطن من جراء الحراك الطالبي الذي تشهده الجامعات الأمريكية، والذي جاء ليهدد الاستثمار التاريخي والضخم الذي اعتمدته واشنطن طوال عقود من الزمن. بدت النخبة الحاكمة وكأنها فقدت السيطرة على الجامعات التي خرج طلابها ليهتفوا من أجل فلسطين، وليوجهوا الإدانة إلى “إسرائيل” من دون أية مواربة.

بعد كل المحاولات والجهود التي بذلها الإعلام الأمريكي والغربي بشكل عام منذ 7 تشرين الأول لتثبيت إدانة حماس لدى الرأي العام، بدت الأمور وكأن السحر انقلب على الساحر. خرجت التظاهرات الكثيفة وأطلقت الشعارات المتعاطفة مع فلسطين، وأبرزها شعار من “البحر إلى النهر” لتوجه صفعة إلى كل المنظومة التي عملت في دول الغرب الجماعي من أجل صناعة صورة “إسرائيل” كبلد مظلوم وحامل للقيم الأمريكية في الصحراء العربية والشرق أوسطية.

صحيح أن مشاركة نسبة كبيرة من الأمريكيين واليهود في التظاهرات شكلت أحد أوجه المفاجأة، بيد أن كسر حاجز الخوف لدى الطلاب من أصول غير أمريكية لم يكن أقل خطورة من وجهة نظر النخبة الحاكمة.

تتحدث سوندرز في كتابها عن أن الـ CIAموّلت وأشرفت على برنامج ضخم للمنح الجامعية للطلاب الأوروبيين في سياق الدفع باتجاه فكرة الشراكة الأوروبية-الأمريكية طبقاً للمصالح الاستراتيجية الأمريكية، وفي سياق تدمير بدعة توحيد أوروبا حول مبادئ داخلية. كشفت الكاتبة عن أن هذا المشروع جاء في سياق إنشاء واشنطن “ناتو ثقافياً” بالتوازي مع “الناتو” العسكري.

أما عن الجهود التي بذلت مع الدول التي صنفها الأمريكيون في خانة العداء، فيمكن الإشارة إلى إحدى التجارب التي تعدّ ” نموذجية” وسبّاقة في هذا السياق: “صبية شيكاغو”.

تذكر الكاتبة ناومي كلاين في كتابها “عقيدة الصدمة”، أن الولايات المتحدة الأمريكية بذلت جهوداً كبيرة لاستئصال الفكر التنموي من البرامج الحكومية لدول أمريكا اللاتينية. فالتوجه التنموي والاقتصاد القومي شكلا مصدر قلق لوزارة الخارجية الأمريكية.

مرة جديدة، كانت الجامعات هي المكان الذي راهن الأمريكيون على قدرته على تحقيق هذا الهدف. وبالفعل، انطلق مشروع تقديم منح دراسية إلى الطلاب التشيليين كي يدرسوا العلوم الاقتصادية في جامعة شيكاغو التي جهد فيها الأساتذة بكل ما لديهم من عزم لتفكيك الحكومات بشكل كامل في الدول المستهدفة.

خلال عقد واحد، أصبحت جامعة شيكاغو المقصد الأول للأمريكيين اللاتينيين الراغبين في دراسة الاقتصاد خارج بلادهم، وكان من شأن ذلك الواقع أن يغير “مسار التاريخ في المنطقة خلال السنين القادمة”، على وفق كلاين.

في كتابه “نظام التفاهة” يشير آلان دونو إلى وظيفة إضافية للجامعات الغربية وهي “تسليع المعرفة الأكاديمية”. هكذا ينحدر العمل في الجامعة إلى درك التفاهة، فتتحوّل المؤسسات الأكاديمية من منتج للمعرفة إلى تاجر فيها. يتحدث الكاتب عن دور الجامعات الغربية في تسطيح المعارف، بدلاً من توسعتها، ويشير إلى أن السائد في الجامعات هو خطاب “اللعبة.

واللعبة هي مجموعة من القواعد والإجراءات غير المكتوبة التي يجب اتباعها في الجامعات حتى يمكن للطالب أو الأستاذ تحقيق أهدافه. ويتابع أن هذا ليس إلزامياً، لكنّ عدم الولاء يعاقب بالموت، أما رمزياً وإما برصاصات حقيقية، فالقواعد غير المكتوبة تطبق على يد سلطة عديمة الرحمة.

ويبدو أن الطلاب المنتفضين اليوم من أجل فلسطين يساهمون في إنهاء هذه اللعبة من خلال التمرد على قواعدها وصناعها ومديريها، لذلك تتحرك السلطة “عديمة الرحمة” وتلجأ الى إطلاق الرصاص الحقيقي والمعنوي عليهم.

من هنا أيضاً، يمكن فهم مدى الخطورة التي يتحسسها أصحاب القرار وأهل ” المؤسسة” في الولايات المتحدة الأمريكية. التظاهرات الطلابية المستمرة، والتي تتوسع في أبرز الجامعات الأمريكية يمكن أن تساهم وبشكل فعال في إيجاد مسار، على طرف نقيض لما ساد منذ صيف 1947 في جامعة “هارفرد”، ويقطع الطريق على المحاولات الأمريكية التي لم تتوقف لتعميم تجربة “صبية شيكاغو” في كل أرجاء العالم، والأهم أنه يساهم بشكل قوي في إسقاط قناع النفاق والخداع عن وجه الولايات المتحدة الأمريكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى