السيد الشهيد الخامنئي وهندسة الجغرافية السياسية

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي..
في لحظات التأريخ المنعطفة تبرز شخصيات استثنائية لا تقاس أدوارها بحدود الجغرافية بل بمدى قدرتها على إعادة صياغة موازين القوى الدولية والإقليمية. ومن بين هذه القامات التأريخية يمتطي صهوة المجد اسم الشهيد الأسعد السيد علي الخامنئي (رض) كقائد لم يكن مجرد لاعب سياسي عابر بل كان صاحب بصمة عميقة في تأريخ العالم الإسلامي المعاصر ومؤسس لمرحلة جديدة استندت إلى كسر أحادية القطبية ومواجهة قوى الاستكبار والتفرد والطغيان . لقد استوطن في ذاكرة الأمة كيف كان للشهيد الولي الفقيه حضور فاعل نقله من القائد السياسي إلى صاحب المشروع الحضاري الذي يؤطر لبديهية الكبرياء الملازم لبقاء الإنسان حرًّا كريما في رحاب عبودية الاحرار لله الواحد القهار .لم ينطلق السيد الشهيد الخامنئي في حراكه من منطلقات سياسية ضيقة أو مصالح آنية بل حمل على عاتقه مشروعا حضاريا شاملا يدافع عن قضايا أمة الإسلام الكبرى ويمتد تأثيره الى شتى أرجاء المعمورة . لقد آمن رضوان الله عليه بأن المواجهة مع قوى الهيمنة ليست صراعا عسكريا فقط بل هي معركة وعي واستقلال حضاري بكل ما تعنيه مفردة الوعي . ومن هذا المنطلق اتسمت سياساته برؤية استراتيجية ثاقبة تمثلت في بناء شبكة تحالفات عابرة للحدود حيث نجح في تأسيس شبكة واسعة من العلاقات مع الدول والقوى الرافضة للعبودية للطغاة والقوى الاستعمارية المستكبرة مما ساهم بتشكيل جبهة صلبة مدعمة بيقين المؤمنين تتصدى لمشاريع الاستعمار الحديث بكل أشكاله . كان الإمام الخامنئي (ر ض) صوتا صارخا بوجه الباطل يدعو إلى عالم أكثر توازنا وعدالة ينتهي فيه زمن أحادية القطبية والتفرد بالقرار الدولي . لقد تكفل سماحته في النهوض بما أسس له مفجر الثورة الإسلامية الإمام روح الله الخميني رضي الله عنه في ترسيخ مبدأ الاعتماد على الذات فعمل بكل جهده على تعزيز استقلال القرار الوطني دافعاً بالجمهورية الإسلامية نحو تحقيق اكتفاء ذاتي على المستوى الزراعي والصناعي والعسكري واستقلالية القرار السياسي . لم تقتصر مدرسة الإمام الخامنئي على ثبات مواقفه السياسية ووضوح رؤيته الاستراتيجية فحسب، بل كانت شخصيته الاستثنائية ركيزة أساسية في صياغة هذا الإرث إذ تميز بروحانية عالية ووقار مهيب وكاريزما حضور آسرة تفرض احترامها في كل محفل . هذا المزيج النادر بين الهيبة القيادية والرحمة الأبوية ترك أثرا إيجابيا عميقا في نفوس الجماهير فكان بمجرد إطلالته يبعث في قلوب الأمة رسائل الطمأنينة ويزيد من منسوب الوعي والالتزام بالقضايا الكبرى وفي مقدمتها قضية فلسطين . انعكست هذه الكاريزما القيادية بشكل مباشر على التفاف الشعوب حوله وثقتها المطلقة في خياراته لإيمانهم العميق بقدرة هذا القائد على العبور بهم نحو بر الأمان بعيدا عن التبعية والخضوع للقوى الخارجية . وفي مواجهة التحديات التي تعصف بالأمة الإسلامية تجسدت سياساته في خطوات عملية حيث عمل على تفعيل التواصل الإيجابي الفاعل مع الدول والقوى الرافضة للهيمنة داعيا إلى عالم أكثر توازنا وعدالة . كما ركز سماحته على تعزيز استقلال القرار الوطني وترسيخ مبدأ الاعتماد على الذات في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والعسكرية انطلاقا من إيمانه الراسخ بأن الشعوب الحرة هي الوحيدة القادرة على صناعة مستقبلها بيدها . لقد تحولت الهيبة والوقار من مجرد صفات شخصية للإمام إلى مصدر إلهام يرفع وعي الناس ويزيد طمأنينتهم المستمدة من ثقة الشعوب به وقدرتها على رفض التبعية ليظهر السياق متكاملا لينتج لنا هذا الحضور المؤسَّسِي الفاعل رغم كل ما تعرضت له إيران من غدر وعدوان صهيوأمريكي ورفرفت راية النصر على ربوع الجمهورية الإسلامية . والسلام على الإمام الخامنئي الشهيد نبراسا خالدا يوم ولد والسلام عليه قدوة ومنارا يوم استشهد والسلام عليه يوم يُبعث حيا شاهدا وشهيدا.



