اراء

من التصعيد إلى التفاهم.. هل نحن أمام حرب شاملة أم إعادة صياغة لقواعد الاشتباك؟

بقلم: د. سماهر الخطيب..

يقول كارل فون كلاوزفيتز “الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، بمعنى أن الحرب ليست مجرد فعل سياسي، بل هي أداة سياسية حقيقية، واستمرار للتجارة السياسية، وتنفيذ لها بوسائل أخرى قد تكون أكثر شدة من الوسائل السياسية الدبلوماسية، أما كل ما عدا ذلك مما هو خاص بالحرب يتعلق بطبيعة الوسائل المستخدمة فيها، وربما يطالب فن الحرب عموماً، والقائد في كل حالة على حدة، بأن لا تتعارض توجهات السياسة ووجهات النظر مع هذه الوسائل، وبكل تأكيد هذا المطلبٌ ليس بالهين، ولكن مهما كان تأثير ذلك على وجهات النظر السياسية في حالات معينة، فيتوجب وفق رؤية كلاوزفيتز أن يتم اعتباره بشكل دائم “مجرد تعديل لها؛ لأن وجهة النظر السياسية هي الغاية، والحرب هي الوسيلة، ويجب أن تشمل الوسيلة الغاية في مفهومنا” بحسب هذه الرؤية.

ومنذ 28 شباط الماضي، حين بدأت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل هجومهما على إيران، مستهدفتين مواقع نووية وعسكرية ومدنية، فإن الأهداف المعلنة لم تتحقق، رغم مرور أكثر من مئة يوم على بدء هذا التصعيد، كما لم تتحقق الغاية السياسية المرجوة من الحرب بوصفها وسيلة لتحقيق تلك الأهداف.

وبما أن “الحرب كالحرباء” وفق تعبير كلاوزفيتز نفسه، بحيث تتغير باستراتيجياتها وأدواتها لخدمة أهدافها ورؤيتها وهو ما ينطبق إلى حدٍ كبير على السياسة الخارجية الأمريكية التي تتغير حتى مع حلفائها طالما أن الغاية تحقيق الهيمنة والتحكم بالمصادر الطاقية وممراتها الاستراتيجية، وفرض السطوة على القرارات الداخلية للدول وليس فقط الأممية وتجاوز المرجعية القانونية للحوكمة العالمية..

لتتحول الحرب من تحقيق أهداف أيدولوجية سياسية إلى تحقيق أهداف جيوبولتيكية طاقية وتنحو منحى الاقتصاد السياسي الطاقي، ولتعود الجغرافية لتتفوق على التكنولوجيا بأهميتها ولتطغى طرق الملاحة البحرية بأهميتها على التجارة الإلكترونية وأسهمها الربحية، فإذا كانت الماركسية وليبرالية آدم سميث تطرحان مقولة “الاقتصاد مصيراً” فمقولة الجيوبولتيكا هي “التضريس الجغرافي مصيراً” ذلك أن الجغرافيا والمدى المكاني يلعبان فيها الدور الذي تلعبه النقود والعلاقات الإنتاجية في الماركسية والليبرالية وإلى الجغرافيا تنتهي الخطوط المؤسسة للوجود البشري وبهذا المفهوم تعرض الجيوبولتيكا ثبوتيتها في مسألة تفسير الماضي وفعاليتها اللامتناهية في تنظيم الحاضر وتصميم آفاق المستقبل، وفق ما جاء في مقدمة كتاب أسس الجيوبولتيكا لألكسندر دوغين.

وفي خضم هذه التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، برزت التطورات الأخيرة المرتبطة بإسقاط مروحية أباتشي أميركية ـ وفق الرواية الأميركية ـ وما أعقبها من ضربات استهدفت مواقع إيرانية، والرد الإيراني الذي قُرئ على أنه مؤشر إلى جرأة إيرانية متزايدة لم تعد تخشى الهيمنة الأميركية، لتقرأ هذه التطورات باعتبارها محطة جديدة في مسار طويل من التفاعلات الأمنية والعسكرية بين الطرفين.

لكن هذه التطورات التي أثارت الكثير من التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة فيما إذا كنا أمام بداية مواجهة أوسع، أم في الحلقة الأخيرة من التصعيد قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من التفاهمات وقواعد الاشتباك.

لا سيما بعد أن أكد رئيس الوزراء الباكستاني التوصل إلى النص النهائي المتفق عليه لاتفاق السلام بين إيران وأميركا كما سبق أن أعلن الرئيس الأميركي التوصل إلى مذكرة تفاهم مفصلة مع إيران حظيت بموافقة كل الأطراف، بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن مذكرة التفاهم تتألف من 14 بندا حتى الآن، وتمثل المرحلة الأولى من مفاوضات تستمر 60 يوما، لمناقشة الملفات الخلافية، بما فيها الملف النووي، وحذر عراقجي من أنه إذا لم تنفذ تعهدات الطرف المقابل في مذكرة التفاهم خلال الستين يوما، فلن تمضي المفاوضات بشأن بقية المواضيع قدماً، مؤكداً أن إنهاء الحرب في مذكرة التفاهم يعني أيضاً خروج القوات الإسرائيلية من أراضي لبنان المحتلة.

وبالتالي لا تكمن أهمية هذه التطورات في بعدها الميداني فقط، بل في ما تعكسه من تحولات محتملة في قواعد الاشتباك التي تحكم العلاقة بين واشنطن وطهران في هذه المرحلة الحساسة، ومن المتعارف عليه عادة أن تدفع الأحداث العسكرية المتسارعة المراقبين إلى تبني فرضية التصعيد المفتوح أو الاقتراب من مواجهة واسعة، إنما القراءة المتأنية لمسار الأزمات الدولية تظهر أن التصعيد لا يؤدي بالضرورة إلى الحرب، بل قد يكون في أحيان كثيرة جزءًا من عملية سياسية أوسع تهدف إلى إعادة تعريف موازين الردع وإنتاج تفاهمات جديدة، ولو بصورة غير معلنة.

وفي المقابل، تحاول إيران التأكيد أن أي ضغوط أو عمليات عسكرية ضدها لن تمر دون تكلفة، وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الهدف الرئيس تحقيق انتصار عسكري شامل، بل إعادة رسم حدود السلوك المقبول لدى الطرف الآخر.

ومن زاوية أخرى، تقدم نظرية الإكراه الدبلوماسي تفسيرًا إضافيًا، فالضربات المحدودة غالبًا لا تهدف إلى تدمير الخصم بقدر ما تهدف إلى دفعه لتعديل سلوكه أو إعادة حساباته، لذلك فإن محدودية الضربات، وطبيعة الأهداف المختارة، والخطاب السياسي المرافق لها، كلها مؤشرات مهمة عند تقييم ما إذا كان الهدف هو الحرب أم الضغط السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى