اراء

حرب التغريدات وشرق أوسط يعيد رسم خرائطه بنفسه

د. بسام روبين..

لم تعد الحروب الحديثة تُدار فقط من داخل غرف العمليات العسكرية المغلقة، ولم يعد النفوذ يمارس حصرا عبر حاملات الطائرات والتحالفات التقليدية، بل دخل العالم مرحلة جديدة باتت فيها المنصات الرقمية جزءا من أدوات التأثير وصناعة القرار وإدارة الأزمات.

وما نشهده اليوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعكس نموذجا سياسيا مختلفا يقوم على التأثير المباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ تتحول التغريدة أحيانا إلى رسالة سياسية تربك الأسواق، وتثير القلق في الأوساط الدولية، ثم تأتي رسالة أخرى بلهجة مختلفة لتعيد ترتيب المشهد أو تخفف من حدة التوتر، وهو نمط يعكس حجم التحول الذي أصاب أدوات إدارة السياسة الدولية في العصر الرقمي، حيث أصبحت سرعة التأثير أحيانا تتقدم على ثبات الرسائل الإستراتيجية.

وهذا القلق الذي يخيم على كثير من العواصم لا يرتبط فقط بالمواقف الآنية، بل يعكس شعورا متزايدا بأن قواعد النظام الدولي لم تعد بالصلابة ذاتها التي عرفها العالم لعقود طويلة. وفي ظل هذا المشهد المتغير، بدأت قوى إقليمية بإعادة قراءة مصالحها وأولوياتها بعيدا عن أنماط الاعتماد التقليدي.

ومن هنا، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تتجه فيها عدة دول في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي إلى تعزيز مساحات التنسيق والتفاهم، وبناء مقاربات أكثر استقلالية في إدارة ملفات الأمن والإقتصاد والطاقة، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين القوى المتباينة إقليميا، بما في ذلك الانفتاح على حلول سياسية تقلل من احتمالات الصِّدام وتحد من منطق المحاور الحادة.

إن هذا الإتجاه لا يقوم على فكرة الاستقطاب بقدر ما يقوم على إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، فالتحديات الإقتصادية، وأمن الطاقة، وحماية الممرات الحيوية، والإستقرار الداخلي، كلها ملفات باتت تدفع الدول إلى البحث عن أرضيات مشتركة تتقدم فيها المصالح الوطنية والإقليمية على حساب الاستنزاف المستمر.

كما أن تجارب العقود الماضية أثبتت أن الفراغ الإستراتيجي لا يدوم، وأن تراجع فاعلية الأدوار الدولية التقليدية يفتح المجال أمام القوى الإقليمية الأكثر حضورا وتأثيرا لتكون جزءا من صياغة التوازنات الجديدة، لا مجرد متلقية لنتائجها.

فقد تكون حرب التغريدات قادرة على جذب الاهتمام الإعلامي وصناعة موجات متلاحقة من التأثير السياسي والإقتصادي، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن العالم يتجه تدريجيا نحو تعددية أكبر في مراكز القرار، وإلى واقع لم تعد فيه منطقة الشرق الأوسط مجرد ساحة لتلقي التحولات، بل طرفا يسعى للمشاركة في صناعتها.

وفي خِضَمِّ هذا المشهد المتحرك، تبقى الحكمة السياسية والقدرة على بناء التفاهمات هي الرهان الأهم ، فالأمم لا تقاس بقدرتها على خوض الصراعات فقط، بل بقدرتها على تحويل التحولات إلى فرص، والتحديات إلى مشاريع استقرار وتنمية. وحين تملك الشعوب إرادتها، وتدرك الدول مصالحها، يصبح المستقبل أكثر قدرة على أن يكتب من داخل المنطقة، لا أن يُملى عليها من خارجها.

حفظ الله أمتنا العربية والإسلامية، وجنبها الفتن والصراعات، وجعل الحوار والعقل أساسا لصناعة مستقبل أكثر استقرارا وعدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى