اراء

المناورة الروسية في المياه الإريترية.. الرسائل والأبعاد

بقلم: ثابت العمور..

تتقدم دول القارة الأفريقية واحدة تلو الأخرى نحو صياغة محددات جديدة لعلاقاتها الخارجية ملمحها الأبرز التحرر من خارطة العلاقات التقليدية مع الدول الغربية، وفي تلك الملامح تتقدم روسيا؛ وفي أحدث المؤشرات العابرة للتقديرات الدالة على التمدد الروسي في أفريقيا، أعلن السفير الروسي في أسمرة “إيغور موزغو” قيام بلاده بمناورات عسكرية مشتركة مع البحرية الإريترية ضمن نشاطات تقوم بها الفرقاطة الروسية “المارشال شابوشنيكوف” في الشواطئ الإريترية لتصبح أول سفينة روسية تقوم بهذا النوع من التدريبات مع جيش إريتريا منذ استقلال الأخيرة عام 1993.

وتأتي المناورة البحرية في توقيت محمّل بالرسائل والدلالات يبدأ من مناسبة إحياء الذكرى الـ30 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وإريتريا، وينتهي بمشهد أفريقي متحرك كرمال الصحراء في إعادة تشكيل علاقاته الدولية، ولا يخلو من صراعات القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ في أفريقيا عموماً؛ ومنطقة البحر الأحمر على وجه الخصوص. فجاءت المناورة الروسية -الإريترية برسالة روسية مفادها ” نحن هنا“.

وجاء في بيان السفارة: “عقدت المحادثات الروسية-الإريترية حول التعاون العسكري التقني في مقر إقامة رئيس إريتريا، وتبادل الجانبان وجهات النظر والمقترحات بشأن تطوير التعاون في هذه المجالات، وحددا المزيد من خطوات التعاون“.

لم تكن العلاقات الروسية – الإريترية وليدة المناورة البحرية؛ كذلك لم يكن اتفاق التعاون العسكري التقني الثنائي في ميناء “مصوع”؛ في نيسان الجاري، المؤشر الوحيد على التموضع الروسي في إريتريا؛ ويمكن التأصيل للعلاقات الرسمية بين البلدين منذ اليوم الأول لاستقلال إريتريا عن إثيوبيا، في 24 أيار 1993، وخلال بضعة أشهر وتحديداً في عام 1994 افتتحت روسيا سفارتها في العاصمة أسمرة، وفي عام 1996 افتتحت إريتريا سفارة لها في موسكو، وفي العام التالي 1997، تم التوقيع على اتفاقية للتعاون العسكري التقني بين البلدين.

وفي مقابل الاستدارة الروسية إلى إريتريا، استدارت الأخيرة باتجاه موسكو، ففي شباط 2022؛ كانت إريتريا الدولة الأفريقية الوحيدة؛ وإحدى الدول الخمس التي عارضت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يطالب الاتحاد الروسي بسحب قواته من أوكرانيا، وفي أيار 2022؛ صوّتت إريتريا ضد قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتشكيل لجنة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المحتملة في العملية العسكرية الخاصة لروسيا في أوكرانيا.

وفي العام الماضي 2023؛ زار الرئيس الإريتري روسيا مرتين، الأولى للمشاركة في أعمال القمة الروسية الاقتصادية والإنسانية الأفريقية، والثانية للمشاركة – مع مجموعة من الزعماء الأفارقة- في يوم أسطول البحرية الروسية، الذي أعلن فيه الرئيس الروسي “فلاديمر بوتين” زيادة قوة أسطول بلاده بنحو 30 سفينة من مختلف الفئات، وبدا الإعلان كما لو أنه رسالة روسية لتعزيز ثقة الشركاء الأفارقة. وهو ما تُرجم هذا العام بالإعلان عن المناورة البحرية الروسية-الإريترية المشتركة.

ومن الرسائل التي تحملها المناورة البحرية الروسية – الإريترية، أن محددات العلاقة بين الطرفين تبدو تبادلية ندية؛ ومعنى ذلك أنها مرشحة للتطور والتقدم والتقارب بشكل أكبر مدى وأكثر عمقاً؛ فروسيا تبحث عن موضع قدم في الساحل الأفريقي، لا سيما مع حالة التنافس الدولي والإقليمي في القارة، ويضمن موقع إريتريا لها ذلك ويوفره؛ بينما تسعى إريتريا من خلال علاقتها مع موسكو إلى فك العزلة الدولية المفروضة عليها بسبب العقوبات الأميركية، والاحتماء بحق النقض “الفيتو” الذي تملكه موسكو في مجلس الأمن وسبق أن لوّحت به دفاعاً عن إريتريا.

في المقابل، وفي ظل حالة الصراع التي يمرّ بها النظام الدولي والتطورات الإقليميّة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط -يتضح أن إنشاء قواعد عسكرية روسية في الخارج، ولا سيّما في المناطق الحيوية من أهم دوافع التحركات الروسية لملء هذا الفراغ، وهذا ما توفره إريتريا في واحدة من أهم المناطق الجغرافية أهمية أفريقياً وعربياً براً وبحراً.

وهو ما يعزز الحضور الروسي نحو العمق الأفريقي في شرق القارة ووسطها وجنوبها، ويضمن لها التأثير في معادلة أمن البحر الأحمر بما ينعكس على تعظيم نفوذها في الشرق الأفريقي.

ومن أبعاد المناورة الروسية -الإريترية ورسائلها أن روسيا تسعى لتثبيت تحركاتها في القارة الأفريقية، وتحديداً من بوابة إريتريا لتأكيد مكانتها في خارطة التفاعلات الدولية، ومنافسة الحضور الأوروبي-الأميركي في أفريقيا ومزاحمته ومحاصرته، خاصة أن روسيا تقدم نفسها في القارة الأفريقية كبديل، والأهم أن توقيت التحرك الروسي في أفريقيا يتزامن مع تصاعد الفكر الأفريقي في التحرر من التبعية للغرب.

وتدرك موسكو أن تمركزها في إريتريا وفرض حضورها وسيطرتها على بعض المضائق المائية الاستراتيجية بما في ذلك مضيق باب المندب يمكن أن تمثل ورقة ضغط مهمة لمساومة الولايات المتحدة والغرب في بعض الملفات الشائكة بينهما مثل ملف أوكرانيا، لا سيما أن إريتريا تمتلك ميناءين استراتيجيين على البحر الأحمر هما “عصب ومصوع”، وهو ما يعزز فعالية الحضور الروسي ودوره وقدرته على المناورة في القارة الأفريقية.

والمناورة يمكن أن تصبح بوابة استراتيجية للروس للتمدد إلى بعض دول المنطقة مثل إثيوبيا وجيبوتي والصومال إلى جانب أوغندا في منطقة البحيرات العظمى.

ختاماً، تمثل هذه المناورات تطوراً طبيعياً في سياق يشهد تقارباً للعلاقات الروسية-الإريترية وحاملة رسائل داخلية وخارجية يتشارك الطرفان فيها العمل على كسر الحصار الغربي المفروض عليهما، ومعبّرة عن التوجس من التحركات الأميركية الرامية إلى إعادة صياغة الترتيبات الأمنية جنوب البحر الأحمر.

وعليه، لن تمر خطوة اقتراب أسمرة من موسكو-المناورة البحرية-  من دون ردّ من قبل واشنطن، وبالتالي فإن السيناريو المتوقع هو أن تذهب الولايات المتحدة إلى الضغط على إريتريا لإجبارها على التراجع أو تعليق اتفاقها مع موسكو، كما فعلت مع السودان في العام الماضي، وإن كان ذلك مستبعداً بسبب أيديولوجية أفورقي المعادية لواشنطن.

ومن المتوقع أن تتعرض أسمرة لمزيد من الإجراءات العقابية الأميركية والدفع نحو تمديد عزلتها الدولية، بل قد تذهب واشنطن إلى أبعد من ذلك، كالضغط على أديس أبابا للتخلي عن أفورقي وإطلاق يد “جبهة تحرير تيغراي” لمحاولة إسقاط النظام الإريتري بعد تسوية الصراع الإثيوبي بشكل نهائي. الأمر الذي يعني تدحرج الصراعات في منطقة القرن الأفريقي. ويضع التموضع الروسي في أفريقيا على المحك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى