اخر الأخباراوراق المراقب

الأعمال الخيرية في شهر رمضان

جميل عودة إبراهيم..

من اللافت للنظر، أن الأعمال الخيرية عند المسلمين تزداد وتيرتها في شهر رمضان، ويدّخر المسلمون المساعدات الإنسانية والمالية التي يجمعونها في الأشهر السابقة حتى قدوم هذا الشهر، فيقومون بتفريقها على المستحقين، مثل الفقراء والمساكين والمرضى؟ والسؤال هنا لماذا تكثر الأعمال الخيرية في شهر رمضان عند المسلمين؟ وما طبيعة تلك الأعمال التطوعية؟ وكيف يمكن استثمار شهر رمضان في بناء الإنسان روحيا وماديا؟.

يمتاز شهر رمضان عن بقية الشهور عند المسلمين بأنه شهر نزول القرآن الكريم، يقول الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، وشهر رمضان يضم من بين لياليه ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر. قال الله تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) فالعبادةُ فيها أفضَلُ عند اللهِ مِن عبادة ألفِ شَهرٍ، ليس فيها ليلةُ القَدرِ. وشهر رمضان شهر كتب الله فيه على المسلمين صيامه، بمعنى الامتناع عن الطعام والشراب حتى الليل. قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

لذا.. فان من العبادات التي يمارسها المسلمون في هذا الشهر المبارك هي عبادة الأعمال الخيرية، والأعمال الخيرية قد تكون أموالاً يتبرع بها المسلم المتمكن لإعانة المسلم الذي لا يتمكن من الحصول على طعامه وشرابه، وقد تكون على شكل وجبات إفطار للصائمين عموما والصائمين من الفقراء والمساكين ممن لا يجدون طعاما.

وقد تكون على شكل مساعدات عينية كشراء الطعام والملبس والحاجات الشخصية التي يحتاجها الفقراء مثل توفير الغذاء أو اللباس أو الدواء، وأدوات التبريد أو التدفئة وغيرها. وقد تكون على شكل التطوع البدني للمساعدة في وصول الأموال أو الطعام أو اللباس إلى مستحقه. وقد تكون الأعمال الخيرية عبارة عن مؤتمرات وندوات وورش عمل تهدف إلى تنمية الأخلاق الحميدة، والتفقه في العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين أبناء مجتمعه.

والأعمال الخيرية التطوعية في شهر رمضان قد يؤديها المتطوعون بشكل فردي، أي أن كل إنسان يساعد الإنسان الآخر، سواءً كان يخطط بنفسه للقيام بهذه الأعمال الخيرة، أو أنه مر بموقف رأى فيه أن هناك حاجة للتدخل بهدف تقديم خدمة للمحتاج أو بشكل جماعي من خلال اتفاق بين شخصين أو أكثر على تقديم خدمة محددة لمحتاج أو لعدد من المحتاجين، أو بشكل مؤسسي أي الانضمام إلى مؤسسة خيرية تهدف إلى مساعدة الآخرين على المستوى الإنساني أو التعليمي أو الصحي أو الثقافي أو التنمية.

ولا تقتصر الأعمال الخيرية التي يقدمها المسلمون على الأفراد والجماعات المسلمة في البلد، بل قد تتعدى إلى بلدان وشعوب أخرى مسلمة أو غير مسلمة، عندما تكون هناك مشكلة اقتصادية أو أزمة سياسية، أو نشوب نزاع مسلح، مثل تقدم المساعدات الغذائية لضحايا الزلازل في تركيا وسوريا، ومثل تقديم المساعدات الغذائية والطبية للشعب الفلسطيني بسبب الحرب المفروضة عليه.

وهدف المسلمين من تقديم المساعدات الغذائية والإنسانية لغيرهم من المسلمين وغير المسلمين المحتاجين للمساعدة هو الحصول على رضا الله عز وجل، فهو هدف أسمى من بين الأهداف التي يبتغونها في هذا الشهر، فالله سبحانه وتعالى قد فرض على المسلمين القادرين ماليا وبدنيا وفكريا أن يساعدوا الآخرين، سواءً كان ذلك في شهر رمضان أم في غيره، إلا أن الأعمال في شهر رمضان تتضاعف بالنظر إلى كونه من الأشهر التي ضاعف الله عز وجل أجر الممتثلين لطاعته. وقال الإمام الصادق (عليه السلام): “أيما مؤمن أطعم مؤمناً ليلةً من شهر رمضان، كتب الله له بذلك مثل أجر من أعتق ثلاثين نسمة ًمؤمنةً، وكان له بذلك عند الله عزّ وجلّ دعوة مستجابة”.

وقد يكون الهدف هو إنساني، بمعنى شعور الإنسان المسلم بضرورة مساعدة الآخرين ممن يحتاجون إلى مساعدة بغض النظر عن هوية الشخص المحتاج، فالواجب الإنساني والأخلاقي يحتم علينا مساعدة كل من يطلب المساعدة أو كل من نعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة. وقد يكون الهدف ذاتي بمعنى أن ذواتنا تشعر بالحاجة إلى مساعدة الآخرين، وأن رضا الإنسان عن نفسه يتحقق عندما يكون قادراً على تقديم خدمة ما لمن يحتاجها.

إلا أن دعوة الله عز وجل للمسلمين في شهر رمضان بان يصموا ويقدموا ما لديهم من أعمال البر والإحسان مقابل عطاء كبير لا يعد ولا يحصى من الأجر والغفران، لا بدَّ أن ينظر له نظرة استراتيجية، بمعنى انه لا بد أن تكون نتائج أعمالنا الدنيوية بمستوى المقابل الذي أعده الله عز وجل للصائمين والعاملين في هذا الشهر، أي لا بدَّ أن يترك كل عمل خير أثره المباشر على المحتاجين، وفي الوقت نفسه، يترك أثره على المجتمع بشكل مستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى