أين تتجه حروب المخابرات؟

بقلم: د. بسام روبين..
لا شك أن أخطر أنواع الحروب الحديثة تلك التي تقع بين أجهزة المخابرات فقرارات الحرب والسلم والعلاقات الدولية وحتى القرارات الإقتصادية والقضائية الهامة جميعها تخرج من مكاتب المخابرات، فمن يمتلك المعلومة يمتلك القوة وأجهزة المخابرات هي التي تمتلك أضخم أنواع المعلومات وتسعى دوما وبدون كلل لتحديثها وتغذيتها بكل جديد، وقد تابع الكثيرون في العالم نتائج التحقيق العدلي والدفاعي لمعرفة من يقف خلف التسريبات الأمريكية الهامة التي هددت الأمن القومي للعديد من الدول وأثبتت أن أمريكا تتجسس على زعماء بعض الدول من حلفائها حتى إنها تجسست على وزير دفاع أحد دول العيون الخمسة، ولم ينجو من عمليات التجسس الأمريكية شخص الأمين العام للأمم المتحدة.
ولكن نتائج التحقيق التي أفرغت حمولة التسريب في مجند واحد حديث الخدمة يعمل في قاعدة عسكرية ولا يرتبط بأي جهاز إستخباري آخر وهذا الإخراج إستخفاف بعقول العالم فمن يريد معرفة الفاعل عليه أن يبحث عن المستفيد من الفعل وما الفائدة التي يجنيها هذا المجند طالما أنه غير مرتبط بأي وكالة مخابرات وكيف لجهاز إستخبارات عريق أن يضع مجندا حديثا في موقع حساس ولا يخضعه لمستويات متقدمة من الرقابة المشددة، فالمعلومات التي تم تسريبها نبعت من مواقع متعددة وجميعها تصب عند وكالة المخابرات ليصار إلى إعادة تشكيلها ومعالجتها لتصبح صالحة للعرض كإحاطة تقدم للبيت الأبيض أو للجهات المعنية ضمن دوائر ضيقة حسها الأمني مرتفع، وأعتقد أن هذه التقارير المسربة الهامة لا يمكن مشاركتها بتلك الشمولية مع أي قاعدة عسكرية نظرا لتنوعها وعدم اختصاص أي قاعدة عسكرية بهذا التنوع المعلوماتي.
أما قصة أن المجند قام بتسفيط تلك الوثائق في جيبه وإخراجها من مكان عمله ومشاركتها مع أصدقائه العشرين من الأطفال ليزداد إعجابهم به فهذا أمر يصعب تصديقه أو حتى مجرد التفكير به، فجهاز المخابرات الذي يستطيع التجسس على الزعماء المحاطين بأسوار أمنية عالية لا يمكن أن يقع في هذا الخطأ ويضع أمنه القومي ببنطال مجند حديث يسرح ويمرح بدون أي مراقبة إلكترونية أو فيزيائية، وأعتقد أن هذه التسريبات ستكون لها ردود فعل دولية سرية، وقد تدفع ببعض حلفاء أمريكا لإعادة النظر في قواعد الإنفتاح عليهم باعتبارها أحد أهم أسباب تمكن الأمريكان من الوصول إلى محيط ومكاتب الزعماء خارج نطاق المراقبة، وبتسهيلات من مديري المكاتب والسكرتاريا العملاء، سيما أن نفس المخابرات الأمريكية تقف عاجزة في الحصول على أية معلومات مهمة من الدول الأمنية المغلقة مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران ومع كل ذلك علينا أن نتفهم بأن أجهزة المخابرات لا يمكن أن تستسلم لبعضها البعض وتعلن نجاح أي جهاز أمني في إختراق أدق المعلومات لديها.
ولكن كان من الممكن للدولة العميقة أن تجد سيناريو أكثر إقناعا للخروج من تلك الأزمة ما لم يكن في تلك التسريبات خداع إستراتيجي عميق قد تظهر نتائجه للعلن في أي وقت لاحق، وقد نشهد تصاعد وتيرة الحرب بين أجهزة المخابرات مستقبلا من خلال تكثيف هجمات الأمن السيبراني، وربما يتوسع الأمر لأبعد من ذلك بكثير.



