اراء

دخول أنصار الله يضيف تعقيداً استراتيجياً للحرب

أحمد القطامين..

كما بات معلوماً، أن الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قائمة فعليًا بكل أبعادها، لذلك فإن دخول الحوثيين لا يُفهم بوصفه تصعيدًا تقليديًا، بل بوصفه تحولًا نوعيًا في شكل الحرب ووظيفتها. فالقضية لم تعد فتح جبهة جديدة، بل إعادة تعريف ساحة الصراع نفسها.

ان أول ما يضيفه أنصار الله هو نقل مركز الثقل من البر إلى البحر. ففي حين تتركز المواجهات التقليدية في الضربات الجوية أو التهديدات البرية أو اغلاق مضيق هرمز، يقوم أنصار الله بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك نشطة، تستهدف أحد أهم شرايين التجارة العالمية. هذا التحول لا يوسّع رقعة الحرب جغرافيًا فحسب، بل يضرب بنيتها الاقتصادية، حيث تصبح الملاحة الدولية نفسها جزءًا من المعركة. وبهذا، تنتقل الحرب من صراع عسكري بين أطراف محددة إلى أزمة تجوب العالم بأسره.

ثانيًا، يحقق أنصار الله لصالح إيران، نموذجًا فعالًا من الاستنزاف منخفض الكلفة وعالي التأثير. فمن خلال قدرات غير مكلفة نسبيًا كالصواريخ والطائرات المسيّرة يمكن فرض تهديد مستمر يجبر الولايات المتحدة على توزيع مواردها العسكرية عبر مساحات أوسع، من حماية السفن إلى تأمين القواعد. هذه المعادلة تخلق خللًا في التوازن، حيث تتحمل القوى الكبرى كلفة مرتفعة لاحتواء تهديد أقل كلفة بكثير.

إضافة إلى ذلك، يفرض وجود أنصار الله تعقيدًا حادًا في الحسابات العسكرية والسياسية. فكل خيار متاح أمام إسرائيل والولايات المتحدة يحمل مخاطر موازية: التصعيد الكبير قد يفتح مواجهة أوسع مع إيران، بينما الرد المحدود قد لا يوقف التهديد، أما التجاهل فيعني استمرار الاستنزاف. هذه “المعضلة الاستراتيجية” تمثل بحد ذاتها، إنجازًا عسكريًا غير مباشر، لأنها تُقيّد حرية القرار لدى الخصم.

ومن زاوية أوسع، يسهم أنصار الله في تحويل الحرب من مواجهة مركزة إلى صراع شبكي متعدد العقد. فبدل أن تكون الحرب قائمة على جبهات رئيسة واضحة، تصبح موزعة بين ساحات مترابطة، لكل منها تأثير على الأخرى. هذا النمط يجعل الحرب أقل قابلية للحسم، وأكثر عرضة للاستمرار، لأن أي تقدم في جبهة قد يُقابله ضغط في جبهة أخرى.

ولا يقل أهمية عن ذلك البعد النفسي والسياسي. إذ يعزز انخراط أنصار الله صورة أن خصوم إيران يواجهون طوقًا من التهديدات المتزامنة، ما يرفع منسوب القلق لدى الأسواق والرأي العام الدولي. فالحرب هنا لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل أيضًا بتأثيراتها على الثقة والاستقرار العالميين.

في المحصلة، لا يضيف أنصار الله “حجمًا” إلى الحرب بقدر ما يضيفون “تعقيدًا” نوعيًا، إنهم يحولونها من مواجهة عسكرية مباشرة إلى منظومة ضغط متعددة الأبعاد، تمتد من الميدان إلى الاقتصاد، ومن الجغرافيا إلى السياسة. وبهذا المعنى، يصبح دورهم ليس توسيع الحرب فقط، بل تعميقها وإعادة تشكيلها بطريقة تجعلها أطول أمدًا، وأكثر تشابكًا، وأصعب حسمًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى