كيف يمكن احتساب نتائج الحرب بميزان الأرباح والخسائر؟

غسان ملحم..
ليس مقدار القوة وحده المقياس، ولا حتى المعيار في حسم نتيجة الحرب. كذلك، ليس مقدار الدمار العامل الحاسم في تحديد نتيجة الحرب، لقد انتصرت المقاومة الفيتنامية على الجيش الأمريكي، على الرغم من فوارق أو فروقات القوة، كما انتصرت بريطانيا وفرنسا، ومعهما بقية الحلفاء، على النازية في ألمانيا، على الرغم من كل الدمار والخراب في أوروبا الغربية. كذلك، انتصر الروس، أو لنقل السوفيات، على النازيين الألمان، رغم مصرع الملايين.
يمكننا إجمال الأهداف أو المقاصد من الحرب لدى الأميركيين والإسرائيليين على هذا النحو الذي يلي ها هنا مباشرة: القضاء على تجربة الثورة والجمهورية في إيران بالكامل، ومن ضمنه إسقاط النظام في طهران برمته إلى غير رجعة؛ وكذلك، القضاء على تجربة المقاومة في لبنان بالكامل، بعد تدمير وتحطيم حزب الله بالكامل، ومن ضمنه اجتياح واحتلال جنوب لبنان، ومن ثم فرض الاستسلام لـ”إسرائيل” على لبنان إلى غير رجعة. لكن هذه الأهداف أو المقاصد الأميركية والإسرائيلية أخذت تبوء بالفشل، وبدأت تتراجع تلك الاندفاعة الأميركية وتلك الاستباحة الإسرائيلية، وتنخفض سقوف التوقعات والتقديرات في كل من واشنطن وتل أبيب أمام صمود إيران والمقاومة في لبنان في مشهدية تأريخية.
كما يمكننا أيضًا إجمال الأهداف أو المقاصد من هذه الحرب لدى الإيرانيين والمقاومة على النحو الذي يلي ها هنا مباشرة: منع الأميركيين والإسرائيليين، ومن معهم في العالم والمنطقة، من تحقيق أو إنجاز أو بلوغ تلك الأهداف والمقاصد؛ وبالتالي وبالتبعية، تقويض السياسات الأميركية والإسرائيلية حيال إيران وحزب الله في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط وإفشال المشاريع الأميركية والإسرائيلية، إن كان على امتداد المنطقة والإقليم، أو حتى في العالم بأسره، والدفع حتى باتجاهات مغايرة، بل مناقضة ومعاكسة، لإعادة تظهير المشهد الإقليمي بطريقة أخرى وبصورة مختلفة، كما لإعادة تشكيل النظام الإقليمي من جديد على أساس من التوازن والاتزان. وقد تمكنت كل من إيران والمقاومة في لبنان من إحباط الولايات المتحدة و”إسرائيل” من خلال سلسلة الجولات والدفعات والجرعات من الردود المتناسبة أو المتماثلة، المتدرجة والمتصاعدة.
على أي حال، قد يطول الأمد الزمني لهذه الحرب. وهو المسار الذي تدفع باتجاهه طهران في مواجهة واشنطن و”تل أبيب”. فهي تسعى إلى رفع التكلفة المالية والعسكرية للحرب، بحيث تتمكن بذلك من معاقبة الأميركيين والإسرائيليين.
ليس من مصلحة إيران إنهاء أو انتهاء الحرب كيفما كان. هي لا تريد التهدئة ولا الهدنة: فإما أن تنضج الظروف والشروط لإنتاج تسوية سياسية، شاملة وكاملة، تضع حدًاً لكل حالة الحرب في كل المنطقة، بما فيها بقية جبهات المقاومة، ولا سيما جبهة لبنان، وتوقف العدوان الأميركي – الإسرائيلي عليها، وتزيل أسباب حصوله واحتمال تكراره من أساسها؛ وإما أن تستمر في القتال طويلًا، ومن دون توقف، ولا مهادنة، حتى تستطيع فرض شروطها على أميركا و”إسرائيل”، ذلك أن عامل الوقت ليس في مصلحة واشنطن وتل أبيب، بالنظر إلى أبعاد هذه الحرب وتداعياتها وارتداداتها.
والأهم من كل ذلك هو المفاجآت والمباغتات والأوراق غير المعروفة، أو لنقل غير المعلنة، التي تحتفظ بها كل من إيران والمقاومة في لبنان. لقد ثبت مقدار الفشل الاستخباري، وكذلك الإفلاس العسكري، من قبل الأميركيين والإسرائيليين، حيث التزمت طهران والمقاومة الغموض الاستراتيجي، ولا سيما في الآونة الأخيرة، وبعد العدوانين السابقين على كل من لبنان وإيران تباعًا. ومن الأمثلة على هذه الحالات والأوراق من المفاجأة والمباغتة: قدرة إيران على استهداف قاعدة دييغو غارسيا العسكرية الأميركية – البريطانية البعيدة؛ قدرة إيران على إحكام السيطرة على مضيق هرمز والتحكم به، من دون إغلاقه بالكامل، أقله حتى تأريخه؛ قدرة إيران أيضًا على استهداف ديمونة والنقب؛ قدرة إيران على قصف تل أبيب والقدس بقوة؛ قدرة إيران على تعطيل حاملات الطائرات وإخراجها من المعركة؛ وقدرة إيران على استهداف الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية.
ناهيك عن قدرة المقاومة في لبنان على خوض غمار المواجهة العسكرية على الخطوط الأمامية للحدود اللبنانية – الفلسطينية المحتلة؛ وقدرتها، أقله حتى حينه، على منع العدو الإسرائيلي من التوغل أو التسلسل البري في جنوب لبنان، الذي لم يرقَ إلى خانة الغزو أو الهجوم البري بعد؛ فضلًا عن قدرتها على إنزال أو إلحاق الخسائر الفادحة بالجيش الإسرائيلي، واستنزافه بكل معنى الكلمة.
لن تربح أميركا و “إسرائيل” هذه الحرب. وفي المقابل، لن تخسر إيران وقوى المقاومة هذه الحرب. لدى تقدير الموقف وتحديد الوضعية لاستشراف المستقبل، يمكننا رسم المعادلة، على هذا النحو، بين هذين الحدين.
لن تربح، وبالتالي لن تنتصر أيضًا، كل من واشنطن و “تل أبيب”، وقد تخسران، ربما في هذه الحرب، الكثير من النقاط والمواقع والإمكانات. وقد تربح طهران، ومعها المقاومة في المنطقة، الكثير من المكاسب والمكتسبات بعد هذه الحرب، مهما كانت الأعباء والأثمان والتكاليف البشرية، العسكرية، المالية والاقتصادية.



