أزمات العراق وسوريا ولبنان محتدمة ومترابطة

بقلم/ د. عصام نعمان..
تحتدم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق وسورية ولبنان. ظاهر الحال يشي بأن لكلٍّ منها خصوصيتها، لكنها في الواقع مترابطة. ذلك لأنّ لها أسباباً وعوامل ودوافع مشتركة، ولأنّ لاعبين إقليميين ودوليين يشاركون في تعقيدها أو حلحلتها بحسب ما تقتضيه مصالحهم وتسمح به موازين القوى المتطورة.
أبرزُ اللاعبين دول خمس كبرى ـ الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، وبريطانيا ـ التي وقّعت مع إيران الاتفاق النووي للعام 2015. أبرز اللاعبين الإقليميين، بالإضافة الى إيران، تركيا و»إسرائيل» المشاركتان في الصراع المحتدم على مدى غرب آسيا الممتدّ من سواحل البحر الأبيض المتوسط غرباً الى سواحل بحر قزوين شرقاً. هذا الصراع ينعكس بالضرورة على العراق وسورية ولبنان، لا سيما على الأزمات المستفحلة في كلٍّ منها.
يتفاوض الخمسة الكبار مع إيران في فيينا في محاولةٍ لإحياء الاتفاق النووي المشلول بفعل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي أخرج بلاده منه وفرض على إيران عقوبات اقتصادية قاسية. ما من أحد الآن بإمكانه الجزم بما ستنتهي إليه المفاوضات المتعثرة. لكن بإمكان ايّ مراقب متابع وحصيف ان يرصد ما يرافق المفاوضات من تحركات ومناورات وسيناريوهات في ساحات الصراع، لا سيما في العراق وسورية ولبنان.
في العراق، ثمة موقف مستجدّ للولايات المتحدة: غداة إعلان بغداد انتهاء الدور القتالي لقوات التحالف الدولي رسمياً وبدء انسحابها من العراق ليتحوّل دورها استشارياً، أعلن قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال فرانك ماكنزي انّ واشنطن ستُبقي القوات الأميركية الحالية البالغ عددها 2500 جندي في العراق، محذراً من زيادة ما وصفه «هجمات الميليشيات العراقية الموالية لإيران على الأميركيين والعراقيين».
الموقف الأميركي المستجدّ يتعارض مع قرار البرلمان العراقي بوجوب انسحاب كلّ القوات الأجنبية من البلاد قبل نهاية العام الحالي. واشنطن أحرجت بموقفها مختلف القوى السياسية العراقية وإنْ كان حلفاؤها هم الأقلّ حرجاً. ذلك سيؤدي الى ازدياد الأزمة السياسية احتداماً الى ان تعود واشنطن عن قرارها، وهل تعود قبل ان تنتهي مفاوضات فيينا الى تسوية متوازنة تستجيب المصالح الأساسية للأطراف المتصارعة؟
بموازاة استبقاء قواتها في العراق، تقوم واشنطن بتعزيز قواتها المتموضعة في شمال سورية (محافظتي الحسكة والرقة) وفي شرقها (محافظة دير الزور) وفي شرقها الجنوبي موقع التنف الحدودي بين سورية والعراق والأردن. ولا تكتفي واشنطن بتعزيز قواتها بل تضاعف رفد حلفائها المحليين من قوات «قسد» الكردية المتمرّدة على الحكومة المركزية في دمشق والمسيطرة، بالتعاون مع الأميركيين، على جملة آبار للنفط في شمال سورية وشرقها.
أكثر من ذلك، تأمل أميركا بسيطرتها المرتجاة على مجلس النواب وبالتالي على الحكومة المنبثقة منه، تعزيز نفوذ خصوم حزب الله السياسيين وترفيع قدراتهم على نحوٍ يمكّنهم من الدفع بإتجاه تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1559 القاضي بتجريد الفصائل اللبنانية المسلحة من سلاحها الأمر الذي ينال، في ظنها، من قوى المقاومة وخصوصاً حزب الله.
بإختصار، تتصرف الولايات المتحدة في العراق وسورية ولبنان على نحوٍ يخدم مصالحها بالدرجة الأولى من حيث الضغط على إيران وحلفائها المحليين لترجمتها ثماراً سياسية في مفاوضات فيينا، كذلك لتهدئة مخاوف «إسرائيل» من تعاظم قوة إيران وحلفائها في محور المقاومة ما يمكّن واشنطن من التوصّل مع طهران الى اتفاق نووي مقبول في الكونغرس الأميركي كما في «إسرائيل».
في مواجهة أميركا، تتصرف إيران كما روسيا وسورية وقوى المقاومة المتحالفة معها على نحوٍ يؤدّي الى تطويق وتعطيل مناوراتها وضغوطها في العراق وسورية ولبنان، ويبدو انّ طهران أفلحت في دعم حلفائها الإقليميين والحؤول دون تراجعهم أمام خصومهم داخل بلادهم من جهة، ومن جهة أخرى عدم التصلّب سياسياً لدرجة تدفع واشنطن الى الانسحاب من مفاوضات فيينا.
كلّ هذه الواقعات والتطورات تحمل المراقب المتابع على الاستنتاج بأنّ أزمات العراق وسورية ولبنان المحتدمة ستبقى تسويتها او عدم تسويتها رهن نجاح مفاوضات فيينا أو فشلها. لكن يبقى سؤالان يصعب إعطاء جواب عنهما في الوقت الحاضر:
الأول: هل تمنح الولايات المتحدة «إسرائيل» ضوءاً أخضر وتدعمها، دونما مشاركة مباشرة من جانبها، لمهاجمة منشآت إيران النووية وصناعتها الصاروخية المتقدمة في حال فشل مفاوضات فيينا؟
الثاني: هل تكتفي إيران بالردّ على «إسرائيل» بقواها الذاتية، وهي ضخمة وفاعلة، ام تغتنم قيادتها، وسائر قيادات دول محور المقاومة، الفرصة المتاحة فيردّون جميعاً على «إسرائيل» بشكل متكامل وصاعق وفي كلّ الجبهات؟



