اراء

من جرف الصخر «مثلث الموت» الى جرف النصر .. خاصرة رخوة تبحث عن حلول

محمود الهاشمي
ما ان تذلف بك العجلة من الشارع الرئيس الذاهب الى محافظة كربلاء , لتدخل ناحية جرف الصخر, حتى تجد نفسك قد تظللت في غابات النخيل التي تتدلى منها عذوق كأنها قناديل بألوان مختلفة .
تأخذك الخيفة والحذر وأنت تدخل عالما خاليا من ألإنس , ومكانا طالما سمّاه الاعلام الغربي (مثلث الموت) العجلة تسير ببطء حيث الحفر التي سببتها العبوات الناسفة ، وحيث صور الشهداء التي زينت جذوع الاشجار , مساكن متروكة حيث كانت , حتى أن ملابس ملونة للأطفال مازالت تتأرجح فوق أحد حبال المنازل , أرواح الضحايا الذين ذبحوا هنا وهناك , لأسباب طائفية تملأ الاجواء , يحاصر العشب الطرقات , وأحيانا يُفتح أمامك أفق لغابات من القصب شديد الخضرة . توقفنا أمام مستوصف لعلاج مقاتلي الحشد , وأمام مقرات عسكرية , وحيث اثار المعارك على واجهات المحال التجارية .
لا اعرف كيف تم تحرير هذه المناطق , فكل مكان فيها يصلح ان يكون مخبأ , فالنخيل مع الاشجار الاخرى والقصب والأدغال يشكلون معا تلافيف معقدة , يصعب خرقها واكتشاف ما خلفها, خاصة وأن المنازل متناثرة وسط البساتين !!
قال أحد القادة العسكريين الميدانيين (حررنا مناطق فيها لم تدخلها قواتنا الامنية ولا الاميركية منذ عام 2003 وحتى لحظة وصولنا لها , فقد حوّلها الارهابيون الى غرف عمليات مكتملة البنى التحتية من اتصالات ومنام وأماكن هروب وغيرها , وأكد أن المعركة كانت صعبة وشرسة , وان الارهابيين كانوا يعتبرونها بمثابة أماكن راحة لهم ولأسرهم , وأوضح ان (50) قياديا ارهابيا زاروها وتواجدوا بها وأورد بعض اسمائهم) .
قيادات الحشد الشعبي (كتائب حزب الله) التي حررت المعركة تحفظ صورا من المعركة والصولات قلّ نظيرها , ولديهم دراسات دقيقة عن الجغرافية والعناوين وعن سكنة المنطقة وتوزيعهم السكاني , وهم يشيرون لك مع كل حركة للعجلة الى هذا المكان والحوادث وذاك .
أما السيد محافظ بابل فيرى في جرف الصخر مشكلة معقدة يصعب حلّها إلا بتوفر جهود استثنائية ، المعلومات التي بين يدينا , تقول ان جرف الصخر ناحية تابعة الى قضاء المسيب التابع لمحافظة بابل , وان عدد سكانها (35) الف نسمة يسكن أغلبهم في المناطق المجاورة لقضاء المسيب مثل (الحامية , الحي العسكري ,هور حسين , البهبهاني) حيث تشكل نسبة هؤلاء الرقم الاكبر في كثافة السكان . والغريب انك حين تصل الى مركز الناحية لا تجد سوى (85) منزلا , لأن أغلب الاهالي يسكنون وسط البساتين وفي أماكن متباعدة , وتبدو اشبه بالقرية منها الى منطقة متحضرة وناحية , وهناك مناطق أخرى فيها مثل (الفارسية والحجير , والعبد ويس , والفاضلية) وقسم منها مناطق نائية تجاور صحراء الانبار . تصل مساحة جرف الصخر الى (100) الف دونم , وتستمد اهميتها من موقعها , فهي تبعد (30) كم عن جنوب غرب بغداد و(13) كم عن المسيب و30كم عن كربلاء المقدسة وتتمدد الى ان تصل الى حدود الانبار .
هذه الناحية فيها بنى تحتية لمصنعين كبيرين , الاول معمل بتروكيمياويات يتسع لسبعة آلاف عامل ومصفى لتكرير النفط سعته 150 الف برميل يوميا, على الاقل يحتاج الى ثلاثة آلاف عامل , وكلا المعملين معطلان بسبب الاعمال الارهابية .
شهدت هذه المنطقة أعمالا ارهابية , لا تنافسها عليها منطقة أخرى, حتى ان رجال الامن يقدّرون أن معظم السيارات المفخخة التي طالت المحافظات القريبة من جرف الصخر وردت من هذه المنطقة !!… قادة الاستخبارات المسؤولون عن المنطقة يؤكدون أن (5000) مذكرة القاء قبض تحت المادة (4) ارهاب صدرت بحق ساكنين من منطقة جرف الصخر بما في ذلك قائم المقام .
جرف الصخر وإمكانية الحلول
بعيدا عن اراء السياسيين , الذين يرون في جرف الصخر مادة اعلامية وانتخابية , وهم ما بين ناقم على المنطقة لحجم الجرائم التي ارتكبت فيها , وبين داع للمطالبة بإعادة أهلها , معتقدا ان في بقائهم – كنازحين – ربما ستكون مشروعا لتغيير (ديموغرافي) مقبل !! فيما لم يكلّف نفسه اللقاء بأهلها وزيارة المنطقة , مكتفيا بالخطاب الاعلامي ..
خلال اللقاء الذي جمعنا بالقادة الامنيين من حشد شعبي وجيش وشرطة ومسؤولين محليين من محافظ ورئيس مجلس محافظ بابل , تأكد لي ان ليس هنالك من حلّ استراتيجي لمشكلة المنطقة وأنها ستبقى مهملة للأسباب الآتية:-
1- الجميع يرون في عودة النازحين مشكلة لأنها ستعيد المشاكل الامنية والمفخخات والثارات بين القبائل .
2- الارهاب مازال موجودا على ارض العراق , والمعارك معهم قائمة ولديهم حواضن وغيرها , ويرون أن تؤجل عودة النازحين لحين اكتمال عمليات التحرير.
3- ان القادة الامنيين ورجال الحشد , قد ضحّوا كثيرا ولديهم ارقام مهولة عن عدد الشهداء فلا يمكن الرضا بحلول السياسيين والاطمئنان لمستقبل المنطقة دون حل جذري وشامل ومرض للجميع .
4- يؤكد محافظ بابل ومعه المسؤولون المحليون , ان المنطقة تحتاج الى اعادة خدمات وتأهيل أماكن كثيرة فيها وان الحكومة الاتحادية لم ترصد درهما واحدا لها حتى اللحظة .
الحلول الممكنة
1- من الممكن البدء بإعادة تأهيل المصانع الموجودة في المنطقة (مصنع البتروكيمياويات والمصفى) وما دامت أغلب مكائنها والياتها عاملة , ولم تتعرض الى تدمير كبير , وبذا سنوفر فرص عمل لأهالي الناحية , كما نوفر فرص التواصل الاجتماعي لان المجمعات السكنية الملحقة بالمصانع ستكون بيئة جيدة لذلك .
2- البنى التحتية للخدمات في الناحية برغم تحطم الكثير منها الاّ انها قابلة للإصلاح , فقد شهدت اسلاكا للكهرباء مقطعة وبعض الانابيب لنقل الماء معطلة لكن سعة المساحة وتناثر المنازل, وقلة عدد الساكنين يوفر فرصة جيدة للعاملين لانجاز الاعمال بسرعة اكبر . في ذات الوقت بإمكان استخدام مياه نهر الفرات, الذي توزعت جداوله بشكل منتظم بين المزارع والأحياء من قبل الاهالي بعد تصفيته وتسخينه لحين اكمال مشروع الماء .
3- موقع المنطقة الجغرافي وسعتها , وتنوع المزارع والأرض , يساعد على انشاء مدينة سياحية متكاملة الخدمات , وبمساحة تفوق مساحة متنزه الزوراء بثلاث مرات أو أكثر , فمثلا يمكن اقامتها على مساحة 2000 دونم (مساحة الزوراء فقط 450 دونما) وان تمنح لمستثمر , وان لا يدخل الفساد الاداري والمالي فيفر المستثمر بجلده !! وأن تكون المدينة السياحية مكتملة الشروط بما في ذلك بناء فنادق وقاعات للندوات والمؤتمرات وللأعراس والاحتفالات, وأماكن ترفيه وغيرها , وبذا حافظنا على مزارعها لتلطيف الاجواء ولتزويدنا بالأوكسجين , وخففنا الضغط على المتنزهات الاخرى وخاصة للمحافظات القريبة , فيما تكون وسيلة للرزق ايضا لأعداد ليست بالقليلة لأهالي المنطقة وستخلق أجواءً من التواصل الاجتماعي بين الجميع .
4- من الناحية الامنية , فقد باشرت قوات الحشد ببناء سواتر بطول 40 كم من الانبار الى حدود كربلاء , وممكن بناء المزيد لصد الهجمات المحتملة من مناطق الجزيرة في الانبار.
5- تشكيل لجنة بصلاحيات لممثلين عن رئاسة الوزراء ورؤساء العشائر وحقوق الانسان ومسؤولين محليين وقادة أمنيين , لتقييم الاضرار وإعداد مشروع مصالحة مجتمعية , ثم المباشرة بالتنفيذ والإشراف على عودة النازحين وإعادة الحياة للمنطقة .. وبذلك ستتحول جرف الصخر من (خاصرة رخوة ومثلث موت) الى عالم من الحياة والتنوع المجتمعي والقيمي المتحضر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى