الإدارة الإيرانية لحرب غير متكافئة

بقلم: حسن نافعة..
حين قررت الولايات المتحدة الأمريكية، القوة العسكرية الأعظم في العالم المعاصر، مشاركة الكيان الصهيوني، الذي يمتلك آلة حرب فتاكة تسعى للتوسع الدائم والسيطرة على كل ما حولها، في شن الحرب على إيران، الدولة الشرق أوسطية الواقعة تحت ضغط عقوبات قاسية، بدا واضحاً أن المنطقة برمتها تتدحرج نحو حرب غير متكافئة، تصور كثيرون أنها ستُحسم بسرعة وستنتهي حتماً بهزيمة إيرانية ساحقة، وهو ما لم يحدث.
ولأن ذلك لم يحدث، حيث طالت الحرب أكثر مما كان مقدراً لها من دون أن ترفع إيران “الراية البيضاء” ومن دون أن تتمكن الولايات المتحدة و”إسرائيل” من تحقيق أي من أهدافهما، بدأ كثيرون يتساءلون عن أسباب الصمود الإيراني، من ناحية، والفشل الأميركي والإسرائيلي، من ناحية أخرى، وما قد يفضيان إليه من نتائج وانعكاسات على موازين القوى الإقليمية والعالمية.
قليلة هي الكتابات أو الدراسات العربية التي تحرّت الحياد والموضوعية عند تناولها أموراً تتعلق بالشأن الإيراني. ولأن لدى معظم الكتاب والباحثين العرب مواقف سياسية أو أيديولوجية مسبقة تجاه النظام الإيراني بصفة عامة وتجاه “ولاية الفقيه” بصفة خاصة، فغالباً ما تأتي كتاباتهم متأثرة بهذه المواقف المنحازة أو المعادية، ما يفسر ندرة الكتابات العربية الموضوعية حول كل ما يتصل بالشأن الإيراني، سواء تعلق الأمر بالسياسات الداخلية أم الخارجية.
للإجابة عن هذه التساؤلات، يتعين أن نأخذ في الاعتبار طبيعة المخاوف التي سيطرت على النظام الإيراني الجديد عقب نجاح الثورة الإسلامية وفرار الشاه خارج البلاد. ولأن الشاه كان الحليف الأوثق لكل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وكانت هناك خشية من أن يتعاونا معاً لإعادته إلى سُدة الحكم وإجهاض الثورة الإسلامية، بنفس الطريقة التي تم بها إجهاض ثورة مصدق في بداية خمسينيات القرن الماضي، فقد كان من الطبيعي أن يتعامل معهما النظام الإيراني الجديد باعتبارهما يشكلان الخطر الأكبر على الثورة الإيرانية.
لذا يمكن القول أن العداء بين النظام الإيراني الحالي، من ناحية، وبين كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، من ناحية أخرى، كان متبادلاً، وهو عداء بدأ منذ اللحظات الأولى لانطلاق ثم نجاح الثورة الإسلامية في إيران وما زال مستمرا حتى الآن، ثم راح يتخذ مساراً متصاعداً بمرور الوقت، وذلك عبر أشكال ومظاهر مختلفة ومتباينة، إلى أن وصل إلى صيغته الحالية، التي تجسدها حرب أميركية إسرائيلية مشتركة تستهدف الإطاحة نهائياً بهذا النظام والسعي لاستبداله بنظام آخر قابل للدوران في فلك السياسات الأميركية والإسرائيلية تجاه المنطقة.
فعداء النظام الإيراني للولايات المتحدة جسده قرار اجتياح السفارة الأميركية في طهران بعد أسابيع قليلة من نجاح الثورة الإسلامية، واحتجاز العاملين فيها رهائن لمدة 444 يوماً، ردت عليه الولايات المتحدة بمحاولة فاشلة لتحرير الرهائن بالقوة، ثم راح الصراع بين البلدين يُدار بوسائل متباينة إلى أن وصل إلى صِدام مسلح مباشر وشامل في عهد الرئيس ترامب، وذلك لأول مرة في تأريخ العلاقات بين البلدين.
أما عداء إيران للكيان الصهيوني فجسده قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع هذا الكيان ومنح مقر بعثته الدبلوماسية هدية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي اعترف بها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وذلك بعد أسابيع قليلة أيضاً من نجاح الثورة الإسلامية، ثم راح الصراع بين البلدين يدار بوسائل متباينة، لم تخلُ من صدام مسلح مباشر ولكن على نطاق محدود، إلى أن وصل إلى شكله الحالي، الذي تجسده حرب شاملة منسقة مع الولايات المتحدة.
غير أن المفاجأة الأكبر هنا تكمُنُ في صمود إيران في هذه الحرب غير المتكافئة، والتي اختلت فيها موازين القوة بشدة لغير صالحها، ثلاثة عوامل صنعت هذا الصمود غير المتوقع:
العامل الأول: قدرات إيران الذاتية، والتي تجلت بوضوح في تمكنها من مواصلة القتال حتى لحظة إعلان الهدنة، وبالتالي من إلحاق خسائر كبيرة لا بالجيش والبنى التحتية الإسرائيلية فحسب وإنما أيضاً بالقواعد العسكرية وبالمصالح الأميركية في المنطقة.
ما يلفت الانتباه هنا هو أن إيران تمكنت من بناء هذه القدرات الذاتية غير العادية، والتي مكنتها من تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعين حيويين هما: الغذاء والصناعات العسكرية، وذلك على الرغم من كل ما تعرضت له من عقوبات شديدة القسوة. ولولا هذا العامل لما تمكنت إيران من الصمود ولرفعت الراية البيضاء بسبب جسامة ما لحق بها من خسائر عسكرية ومدنية على حد سواء.
العامل الثاني: تماسك الشعب الإيراني والتفافه حول قيادته، وهو ما تجلى بوضوح طوال المعركة، خصوصاً عقب الإعلان عن اغتيال المرشد الأعلى للثورة ومعه معظم قيادات الصف الأول، السياسية منها والعسكرية. ولأن إدارة ترامب راهنت على حسم سريع للمعركة استناداً إلى معلومات غير دقيقة قدمها نتنياهو، تؤكد تحرك الشعب الإيراني لإسقاط النظام عقب سقوط معظم قياداته، فقد لعب هذا العامل دوراً رئيساً في إفشال المخططات التي استند إليها قرار شن الحرب.
العامل الثالث: الإدارة الذكية لمضيق هرمز عقب إحكام السيطرة عليه، وهو ما تجلى بوضوح عبر الارتفاع الكبير في أسعار النفط ومواد أساسية أخرى، وأمدّ إيران بوسيلة مهمة للتأثير على الاقتصاد العالمي ككل لا على التوازنات الإقليمية فحسب، الأمر الذي ساعد على تعويض الخلل القائم في موازين القوى العسكرية وأجبر ترامب على القبول بوقف إطلاق النار والبحث عن مخرج.
تمسك إيران بأوراق تبدو أقوى بكثير من تلك التي يمسك بها ترامب، المحاصر بين مطرقة داخل أميركي يعارض حرباً عدوانية استدرجه إليها نتنياهو، وسندان خارج دولي يجسده نظام اقتصادي عالمي مختل ومعرض لمزيد من الاهتزازات بسبب إصرار ترامب على فرض هيمنة أحادية لم يعد يملك مقوماتها.



