اراء

هرمز وحرب الموانئ

بقلم: موفق محادين..

قبل الحديث عن مضيق هرمز وأهميته في حرب الموانئ بل في الحرب على الهارت لاند الجنوبي، لا بد من مقدمتين حول أبرز الموانئ اليوم وكيف تقارب في الفقه والقانون الدولي.

فيما يخص الموانئ والقنوات البحرية، بالإضافة إلى مضيق هرمز، فمن أبرز الموانئ والممرات البحرية الدولية، الطبيعية والصناعية، التي كانت ولا تزال ساحة وعنواناً للصراعات الدولية:

قناة السويس (الصناعية) التي غيّرت خط التجارة والملاحة الدولية منذ شقها عام 1869 وأنهت التداعيات التي رافقت اكتشاف رأس الرجاء الصالح وصعود الإمبراطورية البرتغالية جنوب العالم.

مضيق باب المندب، عقدة المواصلات البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

قناة بنما (الصناعية)، وهي ممر بحري بين البحر الكاريبي والمحيط الهادئ كما بين أميركا الشمالية والجنوبية.

مضائق البوسفور والدردنيل التركية التي تربط البحر الأسود مع المتوسط، وكانت من أسباب الحرب على المياه الدافئة بين روسيا وجيرانها.

مضيق ملقة الذي يتحكم ببوابات آسيا مع أرخبيلها الجنوبي وبالتجارة مع الصين واليابان.

جبل طارق الذي يربط البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.

مضيق دوفر بين فرنسا وإنجلترا.

وثمة موانئ وممرات حديثة وأخرى برسم الاستحداث مثل:

جبل علي في الإمارات.

جوادر، استثمار صيني – باكستاني، بالقرب من مضيق هرمز ويعدّ منافساً لجبل علي.

ميناء حيفا الفلسطيني المحتل من قبل العدو الصهيوني، والذي شكل حلقة مهمة على طريق شركة الهند الشرقية وحاول العدو تسويقه كميناء بديل عن الموانئ السورية واللبنانية، وعن هرمز وباب المندب، وربطه بالمشاريع الإماراتية، حتى أن البعض ربط بين صعود هذا الميناء وبين تفجير ميناء بيروت.

الاهتمامات الصينية واستثماراتها في موانئ متنافسة بينها ميناء حيفا، والموانئ التركية (كومبورت) قرب اسطنبول، واليونانية (بيرايوس)، وتدار هذه الموانئ من قبل شركة الموانئ الصينية (شنغهاي وكوسكو).

مشروع قناة روسية عبر المحيط المتجمد الشمالي تحتاج إلى كاسحات جليد، وتتريث موسكو في تنشيطها خدمة لقناة السويس المصرية (موقف يعود إلى الزمن الناصري).

هرمز وحرب الموانئ

يُعد مضيق هرمز من أهم الموانئ العالمية بالنظر إلى قيمته الاستراتيجية وموقعه في الجيوبولوتيك الدولي وتحديداً ما يعرف بقلب العالم أو الهارت لاند الجنوبي، ومن حيث موقعه أيضاً في حركة النقل البحري ولا سيما النفط والغاز (ثلث التجارة العالمية).

لهذا المضيق تأريخ معروف على طريق التجارة الدولية، سواء القادمة من المحيط الهندي، طريق التوابل والبخور، أو القادمة من وادي الرافدين أو صحاري آسيا الوسطى وإيران والهند، وبينها طريق الحرير الصيني، ما أدى إلى استهدافه واحتلاله من كل القوى الغازية على التوالي، الاستعمار البرتغالي ثم الهولندي ثم البريطاني والمحاولات الأميركية الأخيرة، وهو ما يعني ويؤكد أن لأهميته الراهنة تأريخاً قديماً وحاسماً في حركة الأساطيل البحرية والتجارة العالمية، وبالتالي في صعود وانحلال الإمبراطوريات والقوى القديمة والحديثة، كما ارتبطت به وبتأريخه وأهميته الشبكة الواسعة من الطرق والموانئ المعروفة، مثل خليج البصرة وموانئ إيران والباكستان وسلطنة عمان والخليج وباب المندب، وتشعبات ذلك شمالاً عبر موانئ البحر الأحمر ثم بلاد الشام ثم السويس بعد شقها، وعبر المحيط الهندي في الاتجاه الأفريقي بدءاً من رأس الرجاء الصالح.

وإذا كانت الثورة الإيرانية الأولى ضد الشاه مطلع الخمسينيات قد فشلت وسقطت إيران تحت السيطرة الأميركية ومثلها تركيا بعد سيطرة عدنان مدريس على الحكم (إسلام أطلسي مع علاقات قوية بالناتو والبنك الدولي)، فقد تمكنت مصر بقيادة عبد الناصر وثورة يوليو 1952 من خلط الأوراق مجدداً في الهارت لاند الجنوبي ابتداءً من تأميم شركة قناة السويس البريطانية واستعادة مصر للسيادة على القناة.

ومما له دلالة كبيرة في الخطابات الإيرانية حول المضيق إدراكهم العميق لأهميته على صعيد الصراع الإقليمي والدولي بما يتعدى المقاربات الشائعة المتداولة، فهو ليس مجرد ممر بحري لناقلات النفط والتجارة، بل عقدة استراتيجية تتصل بالأمن الاستراتيجي ليس لإيران وحدها بل لعموم المنطقة كما هو مفترض، وتقرر مصير الهارت لاند الجنوبي برمته وتحدُّ من الهيمنة الإمبريالية على العالم.

وسنرى أن المشاريع الكبرى المطروحة اليوم (سكك حديدية، أنابيب، مطارات عملاقة، وغيرها) نحو الشمال كبديل لمضيق هرمز، تستهدف باب المندب وقناة السويس والموانئ التركية أيضاً، كما تخلط الأوراق فيما يخص طريق الحرير والحزام الصيني، حيث لا تُخفي المشاريع المذكورة حماسها للتشبيك مع مشروع طريق الهند الشرقية الجديد، كبديل أو منافس لطريق الحرير الصيني، علماً بأن المشروع الهندي وموقع ميناء حيفا المحتل فيه، ينطوي على تعقيدات كبيرة بالنظر إلى تشابكاته مع مصالح متناقضة، مثل العلاقات الهندية- الروسية.

بالمقابل، فإن تغليب المصالح الاستراتيجية، ضروري جداً لبناء تفاهم المتضررين الكبار (إيران ومصر وتركيا) بمستويات مختلفة بسبب تهميش مضائق هرمز وباب المندب وقناة السويس، وكذلك الموانئ التركية، ما يرجح تفاهمات محتملة وربما التوصل إلى توافقات وتفاهمات بين العواصم الثلاث.   

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى