حبل الكذب القصير في الإيهام بتقرير المصير


محمد الجاسم
حين يصبح الحديث عن (حق تقرير المصير) أحلاماً لتجزئة الأوطان التي تديرها أنظمة سياسية ديمقراطية منتخبة من الشعب مباشرة، تكون القيمة الحقيقية لحق تقرير المصير قد تم التجاوز عليها عمداً لأغراض مشبوهة، فهذا الحق الذي عُرِفَ في العلوم السياسية بأنّه مضمون لكل شعب أو أمة في أي مكان في العالم أن يكون له الحق في اتّخاذ قراره السياسي بشكل مستقل بعيداً عن أية تدخلات أجنبية في هذا البلد وبعيداً عن أيّة اعتداءات تشنها عليه الدول الخارجية، وقد جاءت مفردتا (شعب) و (أمة) ليستدل بهما القارئ النجيب الى مفهوم مكون بشري له رقعة محددة من الأرض يعيش فوقها وقد تم احتواؤه بالطرق الاستعمارية الكلاسيكية أو بحروب جانبية أو بحرب أهلية داخلية.
لكن أين يكون ذلك المكون البشري كالمكون الكردي ضمن دولة اتحادية واحدة مثل العراق ولديها دستور قد تم التصويت عليه من قبل كافة مواطني البلد ومن ضمنهم المكون الكردي نفسه، فهذا ما يدعو الى رفض فكرة تقرير المصير من الاساس من قبل الدولة الاتحادية والشعب العراقي قاطبة، إذا بقيت مقررات الدستور الحالي نفسها.
لقد حاول مسعود بارزاني أن يقنع كرد العراق بأنهم مهمشون ومقصيون ومطالبهم غير مُجابة من الحكومة الإتحادية، وظل يعرض فكرة الاستقلال في كل مناسبة تتطلب ظهوره الإعلامي على اثر كل مشكلة سياسية داخل الإقليم، وكأن الربط بين مشاكله الداخلية مع شركائه في الإقليم وقضية الاستقلال والانفصال عن العراق أصبحت متلازمة فيزيائية غير قابلة للقفز على تركيبتها التكوينية.
كما تم تسويق فكرة الاستقلال عن العراق سياسياً من قبل ابناء مسعود مرات عديدة دون أن يكون لذلك المسعى صدى لدى الأطرف الكردية التي تعاني من التهميش والإقصاء بالفعل ونقص الرواتب والتمييز بالفرص والأشغال العامة ولكن من قبل سلطة اربيل وليس السلطة الاتحادية في بغداد، فرئيس الإقليم وحزبه المتفرد بالسلطة في الإقليم هو من طرد رئيس برلمان الإقليم من أربيل وهو من عطل المؤسسة التشريعية في الإقليم دون غيره، وتفجير بالونة الاستقلال هي ليست أكثر من لعب منظم بمشاعر القوميين الكرد الذين يحلمون بإقامة دولة تشمل كل أقاليم يسكنها كرد في الدول المتجاورة كإيران وسوريا وتركيا إضافة الى العراق.
أما ان يبدأ الحلم الكردي بالتحقق على حساب وحدة العراق التي صانها الدستور والذي صوت عليه الكرد أنفسهم وبموجبه استحقوا المشاركة بالحكم في العراق الجديد، ولم تخفت لهجة الإقصاء والتهميش التي يلهج بها قادة أربيل دون السليمانية برغم المشاركة الفعلية في الدولة العراقية بدءاً من المشاركة في تأسيس مجلس الحكم العراقي في 31 تموز العام 2003، والذي أصبح مسعود بارزاني عضواً فيه وفيما بعد رئيساً له، الى منصب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ومن ثم المالية ووزير الثقافة مروراً برئيس أركان الجيش وقائد القوة الجوية وعدد هائل من اعضاء مجلس النواب وعدد كبير من قادة الفرق في الجيش والشرطة والمدراء العامين ورؤساء الدوائر والاساتذة الجامعيين.
تعزف القيادة الكردية في اربيل على وتر الإستفتاء الذي يقود الى الانفصال عن العراق، وهذه هي إرادة الحزب (الديمقراطي) الكردستاني الذي تعززت (ديمقراطية) أسمه أكثر من خلال وجود مسعود على رأسه منذ تشرين الثاني العام 1979، في المؤتمر التاسع للحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث أن ثماني وثلاثين سنة في قيادة الحزب وتمكين أبنائه من المناصب العليا والخطرة في الإقليم هي قمة الديمقراطية التي يتغنى بها البارتيون وأنصارهم والتي منها ينطلقون الى فكرة استقلال الإقليم عن العراق وتأسيس دولة يحكمها مسعود الى ما شاء الله من عمره المديد، بعد أن تربع على عرش رئاسة إقليم كردستان العراق منذ 12 حزيران العام 2005 كأول رئيس لإقليم كردستان وما يزال منذ اثنتي عشرة سنة في المنصب ذاته وهو في عز (ديمقراطيته) و(تداوله السلمي) للسلطة، ثم يورثها الى ابنائه الذين تدربوا جيداً على الدكتاتورية وإدارة تكميم الأفواه ومصادرة الحريات العامة في الإقليم.. في ظل هذه الديمقراطية المضببة ولا شرعية رئيس الإقليم مثار التذمر.
منذ أن فجر مسعود بالون الإستفتاء على استقلال الإقليم من العراق وهو يراوح بالخطب والكلمات التي تضخ الهاجس القومي عند الكرد تارة وتمتص غضب مناوئيه في الإقليم ورفض الحكومة الاتحادية ودول الجوار والولايات المتحدة وروسيا والإتحاد الأوروبي تارة أخرى، فلم يأبه الرجل بمعارضة شركائه السياسيين في الإقليم وعلى رأسهم حركة التغيير (كوران) ونصف قيادة الإتحاد الوطني الكردستاني والجماعة الإسلامية لإجراء الإستفتاء لتعارضه تماماً مع الدستور العراقي النافذ والقواعد السياسية للمعاهدات الدولية إضافة الى تعارضه مع القيم الأخلاقية للتعامل الوطني بين أفراد المجتمع الواحد حيث يتبنى حزب واحد مقطوع من شجرة الوحدة الوطنية حتى داخل الإقليم، فكرة الاستقلال عن الوطن الأم من طرف واحد.
لقد دعت الحكومة الاتحادية حكومة إقليم كردستان مرات عديدة للجلوس والتفاوض حول حصة الإقليم من الموازنة العامة للبلاد وبالمقابل ما على الإقليم من التزامات مالية تجاه وزارة المالية الاتحادية فيما يخص عائدات النفط المصدر من الإقليم دون علم وعدادات شركة سومو في وزارة النفط الإتحادية، وقد أطلقت حكومة العبادي بالفعل الأموال لسد النقص الحاصل في ميزانية الإقليم لدعم الرواتب، لكن حكومة الإقليم ـ ولنكون واضحين ـ عائلة مسعود تمادت في الاستهانة بمواقف الحكومة الاتحادية واستمرت بتهريب النفط العراقي الى الخارج وبخاصة نفط كركوك المدينة العراقية دون أن يعرف أحد من الحكومة الاتحادية أو البرلمان العراقي أو برلمان الإقليم أو أحزابه السياسية أي مصير للأموال المتحصلة من تهريب النفط ذاك.
لقد وصلت العنجهية ببعض القادة الكرد أن يصدّروا فكرة الإستفتاء الى خارج الإقليم بحدود محافظاته المعروفة رسمياً ليشمل محافظات اخرى يوجد فيها مواطنون كرد.. بل لقد وصل الامر بأحدهم أن يطالب باستفتاء المواطن الكردي الذي يعيش في شارع الكفاح في بغداد منذ مئات السنين والمواطن الذي يعيش في قضاء مندلي وشيخ سعد ناحية السعدية منذ آلاف السنين.. وإذا أجاب بنعم كيف سيكون مصيره ومصير عائلته وداره ومحل عمله في المدينة التي يعيش فيها خارج الإقليم.. وما دخل هذا المواطن باستقلال إقليم لا يعيش فيه ؟.
إن هذا الإستفتاء ما هو إلا ورقة محروقة يحاول أن يلعب بها مسعود بعد أن أتضح له في الأفق القريب انتهاء صلاحياته السياسية وضآلة نجوميته وتبدد رمزيته القومية والعائلية التي ورثها من أبيه وحسب، حيث تتحدث السيرة الذاتية لمسعود بارزاني عن عدم حصوله على أية شهادة دراسية سوى الابتدائية التي درسها في بغداد، بعد أن انتهت منذ سنوات صلاحياته الشرعية وأصبح وجوده في أربيل غير مرغوب به من قبل الشعب الكردي خاصة والشعب العراقي عامة نتيجة ما يفتعله من مشاكل وتخرصات تساهم في تعميق هوة التفرقة القومية في العراق الواحد، مما يستوجب من الحكومة العراقية أن تغلق باب التنازلات التي يحاول المفاوض بارزاني ان ينتزعها بصدد كركوك أو غيرها لاسيما وإن الوفد المزمع إرساله من أربيل الى بغداد قد تم الطعن في شرعيته من قبل حركة التغيير الكردية قبل وصوله الى بغداد مما يحتم على حكومة بغداد أن تضع حداً للضغوط التي تمارسها حكومة اربيل المحلية وعند فسح المجال مطلقاً للحديث والتفاوض حول استفتاء بارزاني بصيغته وتوقيتاته الحالية المنافية لنص وروح الدستور العراقي النافذ والاكتفاء بمناقشة الملفات العالقة وحل الخلافات على وفق الدستور والقانون، ومراعاة مصالح المواطن الكردي في الإقليم والمواطن العراقي خارجه وبعيداً عن قضية الاستفتاء اللاشرعي مطلقاً.
«وربَّ قولٍ أنفذُ من صول»…



