اخر الأخبارثقافية

“نبض الأزاميل” تحويل الألم الإنساني إلى نصوص مفعمة بالدلالة والحياة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..

تكشف مجموعة “نبض الأزاميل” للقاص ضاري الغضبان عن صوت سردي يمتلك وعياً فنياً واضحاً، وقدرة على ملامسة مناطق حساسة في التجربة الإنسانية، ففي “أساور” تتجسد الذات المكسورة، وفي “مقهى التماثيل” يبرز انهيار القيم، بينما تطرح القصة التي تحمل عنوان المجموعة إشكالية التوازن بين السرد والتكثيف. ورغم بعض الملاحظات الفنية، تبقى هذه التجربة إضافة مهمة إلى السرد العراقي المعاصر، لما تنطوي عليه من قدرة على تحويل الألم الإنساني إلى نصوص نابضة بالدلالة والحياة.

وفي السياق، وبأجواء ثقافية لافتة، احتضن نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، جلسة نقدية مميزة خصصت للاحتفاء بالقاص ضاري الغضبان ومجموعته القصصية الموسومة “نبض الأزاميل”، بمشاركة نخبة من النقاد والمهتمين بالشأن الأدبي، فيما أدار الجلسة القاص والروائي خضير فليح الزيدي.

واستهل الزيدي الجلسة بكلمة أشار فيها إلى أن الغضبان يعد من الأصوات السردية المجتهدة في فن القصة القصيرة، لما يمتلكه من قدرة على بناء النص وتشكيل اللغة بأسلوب متفرد، لافتاً إلى أن مجموعته الأخيرة تنشغل بثيمة لافتة تتمثل في “أنسنة الحجر” عبر استحضار التمثال بوصفه كائناً دلالياً حاملاً للمعنى.

من جانبه، أوضح الغضبان، أن ولادة هذه المجموعة تعود في أصلها إلى ملامح سيرة ذاتية نشأت من اشتباك داخلي للأفكار ظل يدفعه إلى تدوينها وتوثيقها قبل أن تتبلور لاحقاً في نصوص قصصية ضمن هذه المجموعة.

وفي ورقته النقدية، بيّن الناقد د. حسنين غازي، أن “نبض الأزاميل” تنتمي إلى السرد العراقي المعاصر الذي يسعى إلى تفكيك الواقع عبر تقنيات رمزية وتجريبية حيث يتداخل الواقعي بالغرائبي وتتحول النصوص إلى فضاءات تكشف البنى النفسية والاجتماعية والسياسية في إطار وعي سردي يحاول إعادة تشكيل العالم بوصفه بنية متحولة تتقاطع فيها الذاكرة والصدمة والاغتراب.

أما الناقد د. عبد الكريم المصطفاوي، فقد أكد، أن قصص المجموعة تمتاز ببدايات قوية ومؤثرة بعيدة عن الرتابة والوصف الزائد، مشيراً إلى أن هذا الأسلوب يمثل جوهر القصة القصيرة الحديثة التي تقوم على التكثيف والاقتصاد اللغوي.

وبدورها، رأت الناقدة د. حلا حمزة، أن المجموعة تمثل تجربة سردية جديرة بالقراءة، إذ لا تنشغل بسرد الأحداث بقدر انشغالها بتحويل الواقع إلى صور رمزية موظفة المفارقة والسخرية للكشف عن اختلالات المجتمع ومساءلة بنيته الثقافية والإنسانية.

وضمن فعاليات الجلسة، قدّم الناقد حمدي العطار، ورقة نقدية بعنوان “تحولات الذات وخراب القيم في مجموعة نبض الأزاميل” توقف فيها عند ثلاث قصص رئيسة للكشف عن أبرز محاورها الفنية والدلالية.

وفي مداخلته، أشار الناقد حمدي العطار إلى أن نصوص الغضبان تنجح في التقاط اللحظة الإنسانية وتكثيفها بحيث تتحول التجربة الفردية إلى دلالة إنسانية عامة، مؤكداً، أن المجموعة تمثل محاولة جادة للغوص في أعماق الإنسان العراقي بما يحمله من تناقضات بين القسوة والهشاشة والانكسار والأمل.

وفي قصة “أساور” تتجلى جدلية الفقد والهروب عبر نص اعترافي بضمير المتكلم يمنح القصة بعداً نفسياً عميقاً. تنطلق الأحداث من رحلة بحث عن كنز بعد المطر، لكنها في جوهرها تمثل هروباً من فراغ عاطفي خلفه فقدان الحبيبة. وتمتزج الواقعية بالخيال في صور رمزية، حيث تتحول الغيمة إلى مرآة للهواجس، فيما تستحضر القصة ذاكرة الحرب بوصفها جرحاً جمعياً. وتبلغ ذروتها بنهاية صادمة تعيد تأويل النص في سياق صراع داخلي بين الحب والعجز.

أما قصة “مقهى التماثيل”، فتقوم على مفارقة لافتة عبر منح الصوت السردي لتمثال معلم يتحول إلى شاهد ساخر على انهيار القيم. ومن خلال سلسلة من الصور الساخرة يكشف النص عن مجتمع يكتفي بالمظاهر ويغفل الجوهر لتبلغ الرمزية ذروتها في مشهد تماثيل مهشمة تفتقد أدواتها في إشارة مكثفة إلى تفكك البنى القيمية.

وفي قصة “نبض الأزاميل”، التي تحمل عنوان المجموعة، يطرح النص إشكالية العلاقة بين القصة والرواية، إذ يبدأ بحبكة مشوقة لكنه يميل لاحقاً إلى التوسع الوصفي على حساب التكثيف. ورغم ذلك يظل العنوان دالاً على فكرة الحفر في الذاكرة وتشكيل الهوية خصوصاً في نهايته التي تربط بين الفردي والجمعي.

وشهدت الجلسة في ختامها، مداخلات الدكتور الناقد سمير خليل والروائي رياض داخل أغنت النقاش وركزت على أهمية الانفتاح على الأجناس الأدبية الحديثة ولا سيما القصة القصيرة الحداثوية، مع التأكيد على دور الاستهلالات القوية في جذب القارئ وتعزيز كثافة الدلالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى