اراء

المؤتمر الثامن لحركة فتح.. بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة

بقلم: د. هاني الروسان..

يتزامن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح مع منعطفات نوعية، حيث تنتقل إسرائيل بسياستها من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه، في ظل تآكل المرجعيات الدولية، وتبدّل في أولويات دول الإقليم، واستمرار تناقضات الداخل الفلسطيني. الامر الذي يضع انعقاد المؤتمر في صدارة اهتمام الشعب الفلسطيني، لأن الإدراك العام لأهميته يتجاوز كونه استحقاقا تنظيميا، الى وعي متزايد بأن عافية المشروع الوطني الفلسطيني باتت ترتبط، بصورة مباشرة، بعافية حركة فتح التي بقيت -بحكم التأريخ والتراكم- الحامل الرئيس لهذا المشروع، والمسؤول عن مساراته ومآلاته.

وإذا كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار، نحو التركيبة القيادية المقبلة للحركة، فإن اللافت، ومن خلال ما يتم تسريبه أن الهمّ الغالب داخل الجسم التنظيمي يكاد ينحصر في أسماء المغادرين والقادمين، مقابل تراجع الاهتمام ببقية المكونات الاخرى، وعلى رأسها البعدان الفكري والسياسي اللذان يستحقان، وقفة أكثر عمقًا، بعد سلسلة العواصف التي مر بها المشروع الوطني منذ ما قبل المؤتمر السابع.

صحيح أننا لا نريد الخوض في أسباب هذا التركيز على الأسماء، غير أن ذلك لا ينفي، من جهة، أهمية، نوعية القيادات التي ستتولى زمام قيادة الحركة مستقبلا، ولا يقلل، من جهة أخرى، من الدور الحاسم الذي يمكن أن يلعبه الفرد في لحظات التحول الكبرى. فالتأريخ السياسي، وإن كان محكومًا ببنى وقوانين موضوعية، إلا أنه لا يسير بصورة آلية وحتمية جامدة، بل يتخلله دومًا حضور الفاعل الفردي القادر على إعادة توجيه المسار وخلق الفرص وتجاوز الازمات. وقيمة هذا الدور لا تكمُنُ فقط في الحضور التنظيمي، بل في القدرة على إنتاج وعي جديد باللحظة الراهنة، وعلى امتلاك الجرأة الفكرية لكسر الأطر التي أصبحت عائقًا أمام فعل إعادة توجيه حركة التأريخ.

بهذا المعنى، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المؤتمر ليس فقط: من سيقود؟ بل: أي نمط من القيادات نحتاج في مرحلة لم تعد كسابقاتها؟ هل نحتاح الى قيادات لادارة التوازنات القائمة، أم لقيادات قادرة على إعادة تعريف هذه التوازنات في أصلها وتفاصيلها؟، لأنه هنا فقط يكتسب النقاش حول الأسماء معناه، بوصفه جزءًا من سؤال أعمق، وهو: كيف نعيد تعريف المشروع الوطني وأدوات قيادته في مرحلة تغيّرت فيها طبيعة الصراع ذاته؟

وهذا السؤال، لا يمكن الإجابة عنه من داخل الترتيبات التنظيمية والمراكز القيادية وحدها، لأنه يفتح مباشرة على مستوى أعمق يتعلق بالإطار الذي تُفهم من خلاله هذه التحولات، لذا فإنه يقود بالضرورة إلى جوهر المسألة وهو البعد الفكري للمؤتمر الذي ستُبنى عليه مخرجاته وطبيعة القيادة التي ستتولى تنفيذها. إذ لا يمكن فهم هذه التحولات دون إدراجها ضمن سياق أوسع، يتمثل في التحول الذي يشهده النظام الدولي نفسه. فنحن لم نعد أمام نظام تحكمه -ولو شكليًا- منظومة من القواعد القانونية والأخلاقية المستقرة، بل أمام حالة سيولة تُعاد فيها صياغة مفاهيم الشرعية والحق والقانون وفق موازين القوة. وعليه فقد بات من الواضح أن القيم التي شكّلت، لعقود، مرجعية للخطاب السياسي الفلسطيني -من القانون الدولي إلى قرارات الشرعية الدولية فحقوق الإنسان- لم تعد تُطبّق إلا بانتقائية فجة، بل يجري تجاوزها صراحة حين تتعارض مع مصالح الطرف الاقوى.

هذا التحول الداخلي الاسرائيلي يتقاطع مع التحول في النظام الدولي، ليُنتج بيئة أكثر تحررًا من القيود السابقة، وأكثر استعدادًا لفرض وقائع جديدة دون الحاجة إلى تبريرها. وهو ما يفرض على الفكر السياسي الفلسطيني أن يتخلى عن افتراضات لم تعد قائمة، وفي مقدمتها افتراض وجود شريك إسرائيلي قابل للتفاعل مع ضغط دولي فعّال، لأن تجاهل هذا المُعطى يعني الاستمرار في قراءة واقع تغيّر جذريًا بأدوات لم تعد صالحة.

أما على المستوى السياسي، فإن هذه التحولات تنعكس مباشرة على إعادة تشكيل خارطة التحالفات الدولية والإقليمية. فالعالم يشهد انتقالًا نحو تعددية غير مستقرة، تتراجع فيها مركزية بعض القوى التقليدية، دون أن تتبلور بعد بدائل واضحة. وفي الإقليم، تتقدم أولويات الدولة الوطنية وإعادة بناء الداخل على حساب القضايا القومية، بما فيها القضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، تجد فتح نفسها -بحكم موقعها داخل مؤسسات السلطة- أمام معضلة مركبة: فالسلطة، التي نشأت كأداة انتقالية لبناء الدولة، تحولت بفعل السياسات الاسرائيلية، وتراجع هيبة الشرعية الدولية واختناقات دول الاقليم الى بنية قائمة بذاتها، تفرض منطقها الخاص القائم على الإدارة اليومية والاستقرار النسبي، وهو منطق لا يتطابق ضرورة مع متطلبات حركة تحرر وطني. ومع تعمق هذا الاندماج، باتت قدرة فتح على المناورة السياسية محكومة بقيود هذه البنية، ما يطرح سؤالًا حقيقيًا حول حدود هذا التداخل وإمكانية إعادة ضبطه.

ومن هنا، فإن أي نقاش سياسي جاد داخل المؤتمر لا يمكن أن يتجاوز هذه الإشكالية، لأن القدرة على التكيف مع التحولات الدولية والإسرائيلية تبقى محدودة ما لم يُعاد النظر في كيفية إدارة هذا التداخل بحيث لا يتحول إلى عامل شلل.

وقبل الوصول إلى الخاتمة، يظل العامل التنظيمي للداخل الفتحاوي عنصرًا حاسمًا لا يمكن القفز عنه. ففتح، التي استُنزفت بفعل انخراطها العميق في العمل السياسي اليومي للسلطة، عانت تراجعا ملحوظا في حيويتها التنظيمية، وفي مستوى النقاش الداخلي، وفي قدرة أطرها على إنتاج أفكار جديدة، وهذا التراجع لا يُعالج فقط بتغيير القيادات، بل بإعادة إحياء الحياة الداخلية لها، بوصفها فضاءً للنقاش والمساءلة وإنتاج الرؤى.

وفي المحصلة فإن المؤتمر الثامن يقف أمام لحظة اختبار حقيقية: ليس بين التجديد الشكلي والجمود، بل بين الاستمرار في إدارة واقع يتآكل، وبين الشروع في إعادة تأسيس وعي سياسي جديد قادر على استيعاب تحولات العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى