الانتخابات بناءٌ لا هدم

بقلم/ زكي الطائي..
تمثل انتخابات الاتحاد العراقي لكرة القدم محطة مفصلية في مسار تطوير اللعبة الشعبية الأولى في البلاد، إذ يُفترض أن تكون ساحة تنافس شريف بين الكفاءات القادرة على تقديم الإضافة الحقيقية. فالترشح لهذا المنصب ليس حكرًا على أسماء بعينها، بل هو حق مشروع لكل رياضي أو إداري يرى في نفسه القدرة على خدمة كرة القدم العراقية والارتقاء بها وفق الأطر القانونية والأنظمة المعمول بها.
غير أن الواقع يكشف عن إشكالية متكررة تتمثل في تحوّل الانتخابات لدى البعض إلى ما يشبه عقدة نفسية، حيث يُنظر إلى المنافس على أنه خصم يجب إقصاؤه بكل الوسائل لا شريك محتمل في تطوير المنظومة. ومن هنا تبدأ محاولات الإسقاط، سواء عبر الضغط الجماهيري المصطنع أو من خلال اللجوء إلى الطعون القانونية، وأحيانًا عبر حملات إعلامية ممنهجة تتجاوز حدود النقد الموضوعي.
ما شهدته الدورة الأخيرة من الانتخابات لم يكن خافيًا على أحد، إذ سادها ضجيج إعلامي وتجاذبات حادة وخلافات خرجت عن الإطار الرياضي الطبيعي. ولم تقتصر المواجهة على البرامج والرؤى، بل امتدت إلى ساحات المحاكم التي تحوّلت من وسيلة للفصل القانوني إلى ميدان لتصفية الحسابات الشخصية. هذه المشاهد بكل تفاصيلها أضرّت بصورة الرياضة العراقية، وأعطت انطباعًا بأن الصراع على المناصب بات يتقدم على مصلحة اللعبة نفسها.
وفي خِضَمِّ هذا التوتر، برز دور (التكتل الإعلامي) بوضوح، فهناك من تبنى خطابًا نقديًا لاذعًا وصل أحيانًا إلى حدود التجريح، يقابله تيار آخر اتجه نحو المديح المفرط والدفاع غير المشروط. وبين هذين الاتجاهين ضاعت الحقيقة، وكاد الشارع الرياضي يفقد بوصلته، في وقت كانت فيه الأنظار تتجه نحو استحقاق مهم بحجم التأهل إلى كأس العالم، وهو هدف كان يجب أن يوحّد الجميع بدل أن يكون ضحية للصراعات.
إن أخطر ما تفرزه هذه الأجواء هو إضعاف الثقة بالمؤسّسة الرياضية وتكريس ثقافة الإقصاء بدل التنافس البنّاء. فالاتحادات الناجحة لا تُبنى على إلغاء الآخر، بل على استيعاب الطاقات وتوظيف الخبرات المختلفة ضمن إطار عمل مؤسسي واضح. كما أن الاحتكام إلى القانون يجب أن يبقى وسيلة لضمان النزاهة لا أداة لتعطيل المسار الانتخابي أو ابتزازه.
المطلوب اليوم هو إعادة تعريف العملية الانتخابية بوصفها وسيلة للإصلاح لا ساحة للصراع، وهذا يبدأ بترسيخ ثقافة تقبّل الآخر واحترام نتائج الصناديق والالتزام بأخلاقيات التنافس. كما أن على الإعلام أن يؤدي دوره المهني في التقييم والنقد بعيدًا عن الاصطفافات التي تفقده مصداقيته.
في النهاية تبقى كرة القدم العراقية أكبر من الأشخاص وأهم من المناصب. وإذا ما أريد لهذه اللعبة أن تتطور وتحقق طموحات جماهيرها، فلا بدّ أن تكون الانتخابات خطوة نحو البناء لا معولاً للهدم، وأن يُمنح الحق لمن يستحق بعيدًا عن الضجيج والمصالح الشخصية الضيقة.



