من الهامش إلى المركز.. باكستان وصعود القوة الصامتة

بقلم: ميشيل شحادة..
خرجت باكستان مؤخرا من هامش المشهد إلى قلبه. لم تعد مجرد دولة نووية في جنوب آسيا، بل لاعبا حاضرا في أخطر الملفات الدولية، من التوتر الأمريكي-الإيراني إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية. هذا الحضور لم يكن صدفة، ولا نتاج لحظة عابرة، بل تعبير عن تحوّل أعمق في بنية الدولة ومن يديرها.
لفهم المشهد في المنطقة، بتشابك علاقاته وحساسية توازناته، لا بد من فهم باكستان بصورة أعمق.
لكن لفهم هذا الصعود الباكستاني، لا بد من العودة إلى حقيقة بنيوية حاسمة في باكستان: هو أن جيشها ليس أداة في يد الدولة، بل هو الدولة نفسها. هذه ليست مبالغة، بل خلاصة تأريخ طويل لدولة ولدت خائفة، محاطة بالهند الاكبر والاقوى، ولم تجد من يحميها سوى جيشها. ومنذ تلك اللحظة، تشكلت معادلة الحكم وهي أن الجيش هو مركز القرار، والدولة تدور في فلكه.
تعاقب الجنرالات، وكل منهم جاء تحت عنوان “الإنقاذ”، وانتهى إلى المصير ذاته. أيوب خان أطاح بالسياسيين باسم الاستقرار، فجعل من الديمقراطية ثمنا لذلك. يحيى خان قاد البلاد إلى واحدة من أقسى لحظاتها، حين خسر الحرب أمام الهند وانفصلت بنغلادش عن باكستان. ضياء الحق لم يغير السياسة فقط، بل أعاد تشكيل هوية الدولة، فأعدم من عيّنه في رتبته، وحول الجيش إلى حارس للعقيدة الاسلامية. ثم جاء برويز مشرف، الأقرب إلى الغرب، قبل أن يسقط تحت ضغط الشارع. جميعهم حكموا بالقوة، لكنهم لم يغيروا المعادلة. بقي الجيش هو المركز.
الاستثناء الحقيقي لم يكن من أعلن انقلابا، بل من لم يحتج إليه أصلا. هنا يظهر اسم عاصم منير، الذي لم يأتِ من قلب النخبة، ولم يكن ابن جنرال أو وريث منظومة نفوذ. كان والده إمام ومدير مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وبينما كان أبناء النخبة العسكرية يتلقون تعليمهم في مدارس البرجوازية الغربية، كان هو يحفظ كتاب الله. قد تبدو هذه تفصيلة بسيطة، لكنها تصنع شخصيات مختلفة تتحلى بالصبر، والانضباط، والقدرة على الانتظار.
دخل منير الجيش بهدوء، وصعد بالهدوء ذاته، حتى بلغ أخطر موقعين في الدولة وهما الاستخبارات العسكرية، ثم الاستخبارات العامة. رجل يعمل في الظل، ويفهم أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض. لكن اللحظة الفاصلة في مسيرته لم تكن عسكرية، بل شخصية حين أبلغ رئيس الوزراء عمران خان، في إحاطة سرية، بمعلومات عن تورط زوجته بشرى بيبي ومقربين منها في قضايا فساد، لم يُعجب ذلك خان، فأقاله خلال أشهر قليلة. ظن كثيرون أن مسيرته انتهت، لكنها في الحقيقة كانت تبدأ. لم يصرخ، لم يهاجم، لم يشتكِ. انتظر. وفي السياسة، الانتظار في لحظة الغضب قوة.
بعد إقالته من رئاسة الاستخبارات العامة، عُين عاصم منير قائدا للجيش في نوفمبر 2022 بقرار من رئيس الوزراء شهباز شريف، وبموافقة الرئيس عارف علوي، خلفا للجنرال قمر جاويد باجوا. حين عاد، لم يعد مجرد ضابط، بل لاعبا في مستوى الدولة؛ فبتوليه قيادة الجيش بدأ بإعادة ترتيب المشهد بهدوء. عمران خان، الذي أقاله، خرج من السلطة ثم دخل السجن، بينما كان منير يوسع نفوذه دون إعلان، ويعيد رسم موازين القوة من داخل النظام لا من خارجه. لا انقلابات، لا بيانات، بل تحول صامت في مركز القرار.
ثم جاءت لحظة الاختبار، وهي التوتر الأخير مع الهند. في مثل هذه اللحظات، لا تقاس القيادة بالخطاب، بل بالفعل. تحدث بهدوء، لكن بحزم، مؤكدا أن أي مغامرة غير محسوبة ستُواجه برد صاعق.
الرسالة لم تكن للهند فقط، بل للداخل الباكستاني والإقليم معا. وخلال أيام، تغير المشهد، وتراجعت احتمالات الانفجار، وثبتت معادلة ردع تدار بالعقل لا بالاندفاع.
لكن ما يفسر صعود باكستان الأخير لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل على موقعها الجديد في شبكة التوازنات الدولية. هنا يبرز دور عاصم منير بوصفه مديرا للتناقضات، لا مجرد قائد عسكري. رجل واحد يدير علاقات متباينة مع واشنطن وبكين والرياض وطهران وأنقرة، خمس قوى، لكل منها حساباته، وجميعها تجد في هذا الرجل نقطة التقاء.
مع الولايات المتحدة، العلاقة قائمة على النتائج لا الصداقات. وفي لحظات حساسة، قدّم منير ما أعاد لباكستان مكانتها كشريك أمني لا يمكن تجاهله. حين كانت واشنطن تطارد مخطط تفجير مطار كابول عام 2021، الذي قُتل فيه 13 جنديًا أمريكيا، اتصل بقائد القيادة المركزية الأمريكية، مايكل كوريلا، وأبلغه أنه قبض عليه ومستعد لتسليمه إليهم. ثم، خلال أزمة الهند وباكستان عام 2025، كان هو الخيط الذي أمسك به البيت الأبيض لمنع نشوب حرب بين دولتين نوويتين. لذلك، لم يكن الانفتاح الأمريكي عليه مجاملة دبلوماسية، بل اعترافا بقدرة عملية على إدارة ملفات معقدة.
خروج باكستان إلى الضوء العالمي، خصوصا عبر دورها في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، أثار جدلا واسعا، لا سيما في الأوساط العربية. يتكرر السؤال عما تريده باكستان، هل تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة وسيطة، أم إلى إعادة تعريف موقعها كلاعب إقليمي عابر للجغرافيا التقليدية؟ في الحقيقة، يعكس هذا السؤال تحولا أعمق؛ فباكستان لم تعد تُقرأ فقط من زاوية صراعها مع الهند، بل من زاوية دورها في إعادة تشكيل التوازنات الكبرى.
وهنا، لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن السياق الأوسع. نحن أمام لحظة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي، حيث تتراجع أنماط الهيمنة القديمة، وتتصاعد قوى جديدة، وتتداخل الجغرافيا بالاقتصاد والأمن. ما يحدث في باكستان ليس حدثا منفصلا، بل جزء من هذا المخاض العالمي. ودور منير، بكل تناقضاته، يعكس هذا التحول، أي الانتقال من منطق الاصطفاف إلى منطق التوازن.
أسلافه اختاروا الانحياز، فدفعوا الثمن. أما هو، فاختار التوازن. ليس لأنه لا يستطيع الانحياز، بل لأنه يدرك أن من يختار طرفا يخسر الآخرين، ومن يحافظ على مسافة محسوبة من الجميع، يمتلك نفوذا لا يملكه من انحاز. هذا ليس حيادا سلبيا، بل استراتيجية فاعلة تقوم على جعل الجميع بحاجة إليك.
لكن الحفاظ على هذا التوازن أصعب من الوصول إليه. أي انزلاق قد يُخِلُّ بالمعادلة. ومع ذلك، يتحرك منير وكأنه يدرك حدود اللعبة وحدود اللاعبين، يعرف متى يقترب ومتى يبتعد، متى يتكلم ومتى يصمت. وهذه، في عالم السياسة، قوة نادرة.
في النهاية، لا يعود السؤال كيف وصل، بل إلى أين يريد أن يذهب. رجل بهذه الشبكة من العلاقات، وبهذا الهدوء، وبهذا النفوذ، لا يتحرك عبثا. باكستان اليوم ليست كما كانت، وعاصم منير ليس كمن سبقوه. ما نشهده ليس نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة، مرحلة تُدار فيها القوة بهدوء، وتُرسم فيها الخرائط دون إعلان.



