موانئ لبنان في قلب معركة الممرات الكبرى

بقلم: أحمد صبري السيد علي..
في العام 300 ق.م تقريباً، تذكر المصادر التأريخية، أن الملك سلوقس الأول أسس مدينة ومرفأ «سلوقية بييريا»، وذلك بُعيد انتصاره في معركة إبسوس الشهيرة عام 301 ق.م. وكان الهدف من إنشائه في ذلك التأريخ تحديداً هو جعل المرفأ عاصمة وبوابة بحرية رئيسة لإمبراطوريته الناشئة، قبل أن ينقل العاصمة الإدارية لاحقاً إلى مدينة أنطاكيا بالداخل. لكن نتيجة الصراعات والضعف الداخلي، لم يتمكن السلوقيون من استغلاله كلياً، وظلت المنطقة مضطربة، حتى جاء الرومان، وقاموا بالاستيلاء على هذا المرفأ المجهز، وطوّروا قناة الميناء (المعروفة بقناة فيسباسيان)، وجعلوه القاعدة البحرية والتجارية الأولى للأسطول الروماني للسيطرة على تجارة الشرق الأوسط وربط الساحل الشامي بـ «أنطاكيا» وروما.
إن المثال التأريخي السابق يتشابه بدرجة كبيرة مع انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى “نادي موانئ IMEC” وتأتي هذه الخطوة في ظل واقع مأزوم يعاني منه المرفآن؛ فمرفأ بيروت ما زال يلملم جراحه ويعاني من تبعات تفجير آب 2020 وتراجع قدراته التشغيلية والهيكلية، بينما يفتقر مرفأ طرابلس للبنية التحتية واللوجستية العملاقة التي تؤهله لاستقبال خطوط الترانزيت العالمية الشاملة.
الدور الفرنسي.. من التعاون بين بيروت ومرسيليا إلى شبكة الموانئ
في 21 من تموز 2026، جُدد اتفاق التعاون بين ميناءي مرسيليا-فوس وبيروت لمدة ثلاث سنوات، بحضور وزير النقل الفرنسي فيليب تابارّو ووزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني. ويستهدف الاتفاق تطوير التعاون التشغيلي والتقني والتجاري، ودعم الابتكار والتحول في مجال الطاقة، وفتح مجالات جديدة للتبادل بين شرق المتوسط وغربه. وكان التعاون قد بدأ باتفاق عام 2022، في سياق دعم إعادة بناء ميناء بيروت بعد انفجار آب 2020.
الواقع أن مجموعة CMA CGM الفرنسية، التي تتمتع بحضور قوي في قطاع النقل البحري اللبناني، تطمح للقيام بدور مهم في توسيع حركة البضائع بين الموانئ اللبنانية والأوروبية. وتوفر خدماتها البحرية بالفعل اتصالًا منتظمًا بين طرابلس وموانئ متوسطية، من بينها مرسيليا وموانئ إيطالية ومالطا ومرسين وإسكندرونة، فضلًا عن بيروت وموانئ مصرية. وبذلك تتقاطع الشبكة الفرنسية مع الموانئ التركية في حركة تجارية قائمة، حتى قبل اكتمال مشروعات الربط البري الإقليمية.
تستهدف فرنسا، من خلال هذه الخطوات، تثبيت حضورها في البنية اللوجستية لشرق المتوسط، وربط الموانئ اللبنانية بالشبكات الأوروبية، والاستفادة من نمو التجارة وإعادة الإعمار في لبنان وسوريا.
شبح تركيا في لبنان.. من الروابط الاجتماعية إلى المجال اللوجستي
تملك تركيا قاعدة نفوذ اجتماعي وسياسي متراكمة في شمال لبنان، ولا سيما في طرابلس وعكار، كما تمتد علاقاتها إلى قطاعات من الوسط السني في بيروت. يعتمد هذا الحضور، الذي تم بهدوء كبير ومن دون ضجيج، على تداخل المساعدات والمؤسسات الثقافية والتعليمية والعلاقات التأريخية والتجارية. وقد تناولت دراسة لمعهد كارنيغي هذا التوسع في النفوذ التركي على المستوى الشعبي، مشيرة إلى دور مؤسسات تركية في تنفيذ مشروعات خدمية وإنسانية في طرابلس وعكار وصيدا، وإلى ارتباط تنامي الجاذبية التركية لدى قطاعات سنية بتراجع الحضور السعودي في لبنان خلال مراحل سابقة.
تستفيد أنقرة كذلك من الروابط التأريخية مع جماعات لبنانية ذات أصول تركية أو تركمانية، ومن وجود قرى ومناطق احتفظت بعلاقات ثقافية ولغوية مع تركيا. وقد أشار تقرير نشرته The Beiruter في أيلول 2026 إلى تجدد الحضور التركي في شمال لبنان، وكيف تداخلت الخدمات والمساعدات والاتصالات بالمؤسسات التركية مع روابط تأريخية أقدم. وتُضاف إلى ذلك سياسة منح الجنسية التركية لبعض اللبنانيين الذين يثبتون أصولهم التركية أو العثمانية.
تبرز أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بميناء طرابلس، الذي يقع في منطقة يمكن أن تتحول إلى بوابة بحرية لعمق سوري، ثم إلى نقطة اتصال بشبكات نقل أوسع. فتركيا لا تحتاج إلى امتلاك الميناء أو السيطرة عليه عسكريًا كي تستفيد من تطويره؛ يكفي أن تكون قادرة على التأثير في جانب مهم من طرقه وأسواقه البرية، وأن تمتلك شركاتها ومؤسساتها فرصًا للمشاركة في تشغيله وتطويره.
في أيار 2026، أطلقت الحكومة اللبنانية إجراءات لإعادة تأهيل خط السكك الحديد بين طرابلس ومنطقة العبودية عند الحدود السورية. ويكتسب هذا الربط أهميته من إمكان وصل طرابلس بالداخل السوري، وصولًا إلى حمص ومناطق أخرى، إذا توفرت التمويلات والاتفاقات اللازمة. وفي الاتجاه الأوسع، أعلنت تركيا والسعودية في حزيران 2026 تعاونًا لوجستيًا وخططًا لربط البلدين بالسكك الحديد عبر سوريا والأردن (طريق الحجاز-اسطنبول).
تحييد حيفا والدور الصهيوني
كان من المُفترض، في التصور الأصلي لممر IMECأن تنتقل البضائع من الهند إلى الخليج، ثم عبر السعودية والأردن برًا إلى ميناء حيفا، ومنها بحرًا إلى أوروبا. لكن هذا المسار، الذي كان يعتمد على وصلات سككية وبنية تحتية واتفاقات عبور، لم يكتمل نتيجة الحرب الدائرة منذ الـ7 من أكتوبر 2023، وبالتالي فإن تشغيله يتأثر بالحرب الإقليمية والمخاطر الأمنية، كما أشار تقرير نشرته LBCI في الـ7 من تشرين الأول 2026 إلى أن المسار نحو حيفا لا يزال يواجه تحديات بنيوية، منها الحاجة إلى وصلات سكك حديد وتكاليف التنفيذ.
تزيد الحرب بين إيران والولايات المتحدة، والمواجهة المتصلة بالسعودية وأنصار الله، من صعوبة التعامل مع البحر الأحمر بوصفه طريقًا مضمونًا للتجارة. وصعوبة ضمان الاستقرار الأمني للمسار البري.
هذه المعطيات لا تعني بأي حال، أن الموانئ اليونانية والقبرصية ستُستبعد نهائيًا من التجارة الأوروبية أو المتوسطية؛ بل إن المسألة تتعلق بتراجع الضمانات التي افترضها التصور الأصلي للممر، وبظهور بدائل قد تعيد توزيع حركة البضائع. ومن هنا تكتسب الموانئ اللبنانية أهمية إضافية، فهي قد تستقبل تدفقات تجارية من شبكات أخرى، وتوفر اتصالًا بالأسواق التركية، من دون انتظار اكتمال المسار عبر حيفا.



