فلسطينيو الداخل وانتخابات (الكنيست).. الفرصة والتهديد

بقلم: وليد القططي..
انتهت انتخابات الكنيست الإسرائيلية الأخيرة، وكشفت عن قفزة نوعية في نسبة المشاركة الفلسطينية فيها والتصويت للقائمتين العربيتين؛ المشتركة والموحدة، وبالتالي زيادة عدد المقاعد بطريقة غير مسبوقة للعرب الفلسطينيين في الداخل المُحتل عام النكبة 1948م. وهذه الزيادة تُشكّل فرصة وتهديدًا في الوقت نفسه بالنسبة إلى الوجود الفلسطيني داخل فلسطين المُحتلة عام النكبة؛ ولتحديد ماهية الفرصة وحقيقة التهديد بعد هذه القفزة النوعية، من المُفيد العودة إلى محطات الصراع والنضال السابقة لفلسطينيي الداخل لمعرفة جذور الحكاية.
بداية جذور الحكاية كانت من المشروع الاستعماري الغربي بزعامة بريطانيا العُظمى آنذاك، الذي أفرز المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين كرأس حربة له ضد الأمة، والذي أنتج بدوره المنظمات اليهودية المُسلحة وأكبرها “الهاجاناه”، التي اتبعت استراتيجية السيطرة على أكبر مساحة من الأرض وأقل عدد من السكان، لإثبات أكذوبة “فلسطين أرض بلا شعب”، بواسطة الإبادة قتلاً وتهجيرًا وإخضاعًا؛ فتوزّع الشعب الفلسطيني بين نتائج الإبادة الثلاث. وكان نصيب الجزء الذي ظلَّ صامداً من الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المُحتلة عام 1948م محاولات الإخضاع بالحكم العسكري.
الشعب الفلسطيني الذي بقيَ صامدًا في وطنه عام النكبة، وكان عدده 150 ألفًا، فرض عليه الكيان الصهيوني الحكم العسكري حتى عام 1966م، وتعرّض لكل أنواع القمع والتضييق، وانتُزعت منه معظم أراضيه بالمصادرة والأوامر العسكرية. وبعد عام 1966م، أُلغي الحكم العسكري وبدأ فصل آخر من محاولات الإخضاع بالحكم المدني، وأهمها سياسة “الأسرلة”، وفرض الجنسية الإسرائيلية عليهم، وإطلاق اسم “عرب إسرائيل” عليهم باعتبارهم أقلية عربية مُقسّمة دينياً ومناطقياً في “دولة إسرائيل” ومعزولة عن شعبها الفلسطيني ومحيطها العربي، ولكن أخطر ما في هذه المحطة كان استمرار مصادرة الأراضي الفلسطينية.
استمرت سياسة مصادرة الأراضي الفلسطينية وانتزاع ملكيتها من أصحابها الفلسطينيين بواسطة القوانين المدنية والأوامر العسكرية، ومنها قانون “تطوير الجليل والنقب” الذي انتزع ملكية 21 ألف دونم من يد أصحابها، فكان “القشة التي قصمت ظهر البعير”، وفجّر انتفاضة “يوم الأرض” عام 1976م في كل فلسطين التأريخية من البحر إلى النهر؛ فكانت الانتفاضة نقطة انطلاق لعودة النضال الوطني الموحّد باتجاه جوهر الصراع مع الكيان الصهيوني وهو الأرض، إضافة إلى صراع فلسطينيي الداخل لانتزاع الحقوق المدنية التي تثبت وجودهم فوق أرضهم وداخل وطنهم.
مظاهر النضال الوطني الفلسطيني الموحّد استمرت وتجسّدت في الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة) في الضفة والقطاع بين عامي 1987 و1993م بالدعم والمشاركة، وتكرر ذلك في الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) بين عامي 2000 و2005م، وشارك كثير من فلسطينيي الداخل في العمليات الفدائية لـ”هبة القدس” عام 2015م. وبالموازاة مع معركة “سيف القدس” بين المقاومة الفلسطينية في غزة و”جيش” الاحتلال الإسرائيلي، فجّر فلسطينيو الداخل انتفاضة “سيف القدس” عام 2021م بالتظاهرات والمواجهات مع شرطة الكيان، وصولاً إلى هجوم “طوفان الأقصى” وحرب الإبادة الإسرائيلية عام 2023م.
تعامل الكيان الصهيوني بعد “طوفان الأقصى” مع الشعب الفلسطيني داخل الكيان باعتبارهم أعداء مُحتملين وتهديدًا أمنيًا قائمًا، فبدأ ضدهم حملة إرهابية مُتعددة المجالات -الأمنية والوظيفية والإعلامية- لتحقيق أهداف لها علاقة بالعقاب والردع؛ العقاب على مشاركتهم السابقة في النضال الوطني الفلسطيني، والردع لعدم القيام بفعاليات لاحقة مناهضة لحرب الإبادة الإسرائيلية ومتضامنة مع الضحايا الأبرياء، كما حاسبهم وعاقبهم ليس فقط على الموقف السياسي بل على التعاطف الإنساني، واعتبر ذلك تهديدًا أمنياً ووجودياً للكيان، فأدت هذه الحملة الإرهابية إلى توقف الخط الصاعد للنضال الفلسطيني داخل فلسطين المُحتلة عام 1948م إلى حين.
ولذلك، رأى الفلسطينيون داخل الكيان في أول انتخابات للكنيست بعد الحرب فرصة لإنهاء حالة الجمود، وكسر حاجز الخوف، واستئناف النضال الوطني والمدني. ورغم ضعف الثقة بالنظام السياسي الصهيوني أو انعدامها إجمالاً، أرادوا استغلال الفرصة كنافذة موجودة لإمكانية تغيير جزئي ونسبي في هذا النظام انطلاقاً من مبدأ اختيار السيئ بدل الأسوأ، والانتقال إلى مربع التأثير والتغيير؛ للتخلّص من واقع التهديد الوجودي، والعنصرية الصهيونية، والجريمة الداخلية، ومصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وغيرها.
هذه المخاوف والمؤشرات توحي ضمناً بأنَّ النظام السياسي اليهودي الصهيوني في “إسرائيل” سيُراجع على الأرجح نظامه الانتخابي وقوانينه الأساسية ويُعيد إخراجها وتعديلها ليُقلّص أو يُضعف أو يُلغي القوة الانتخابية والتأثير السياسي لفلسطينيي الداخل أو ما يسميهم “عرب إسرائيل”، وهو بالفعل قد بدأ أولى خطواته بقانون “الدولة اليهودية” عام 2018م عندما نص على أنَّ “حق تقرير المصير الوطني في دولة إسرائيل حصري للشعب اليهودي”، وعندما صرّح رئيس حكومة الكيان نتنياهو بعد الانتخابات الأخيرة بقوله: “إنَّ كتلته اليمينية تمتلك أغلبية حاسمة بين السكان اليهود”، معتبرًا أنَّ الأغلبية يجب أن تكون يهودية وليست إسرائيلية.
هذا الجهد الصهيوني سيتواصل حتى إلغاء القوة الانتخابية والتأثير السياسي لفلسطينيي الداخل المُحتل، ولكنه سيكون أمام مأزق التناقض بين أكذوبة “المواطنة المتساوية” وحقيقة “الكيان العنصري”.



