اراء

الانتخابات الإسرائيلية ومستقبل العلاقات مع الصين

بقلم: تمارا برو..

جاءت الانتخابات الإسرائيلية التي أُجريت في الـ27 من تشرين الأول 2026 في مرحلة تشهد فيها العلاقات بين الصين و”إسرائيل” تحولات سياسية واستراتيجية عميقة، في ظل تداعيات الحرب بغزة، وتصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، وتزايد المخاوف الأمنية المرتبطة بالتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية.

وقد أفرزت الانتخابات، مشهدًا سياسيًا معقدًا، بعدما حصل معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعدًا، ما حال دون حصول أي من المعسكرين الرئيسين على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة.

ولا تنحصر أهمية هذه الانتخابات بالنسبة إلى بيجين في هوية رئيس الوزراء المقبل، سواء استمر نتنياهو في السلطة أم نجح آيزنكوت في تشكيل حكومة جديدة، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة السياسات التي ستعتمدها “إسرائيل” تُجاه القضية الفلسطينية وإيران والولايات المتحدة، ومدى استعدادها للحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع الصين في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة.

من التقارب الدبلوماسي إلى التوتر بسبب حرب غزة

قبل اندلاع الحرب بغزة في تشرين الأول 2023، كانت العلاقات الصينية-الإسرائيلية تتسم بتعاون اقتصادي وتكنولوجي واسع، رغم ظهور قيود متزايدة على الاستثمارات الصينية في القطاعات الحساسة. وقد نجحت بيجين بترسيخ حضورها في السوق الإسرائيلية، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والابتكار، مستفيدة من رغبة تل أبيب في تنويع شراكاتها الاقتصادية.

وامتد هذا التقارب إلى المجال السياسي، خصوصًا في عام 2023، عندما استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيجين، قبل أن يتلقى نتنياهو دعوة لزيارة الصين. وعكست هذه الخطوات رغبة بيجين في توظيف علاقاتها مع الفلسطينيين والإسرائيليين لتعزيز حضورها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، ولا سيما بعد نجاحها في رعاية الاتفاق السعودي-الإيراني.

هل تفضّل بكين بقاء نتنياهو أم وصول آيزنكوت؟

لا توجد مؤشرات واضحة على تفضيل الصين شخصية إسرائيلية بعينها، بقدر اهتمامها بالسياسات التي ستتبناها الحكومة المقبلة. فبيجين تحرص على التعامل مع الحكومات القائمة، مع إعطاء الأولوية للاستقرار السياسي وحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

وعليه، فإن استمرار نتنياهو أو وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في العلاقات. فقد سبق لنتنياهو أن أبدى اهتمامًا بتطوير التعاون الاقتصادي مع الصين، وزار بيجين عام 2017. إلا أن سياساته تُجاه الفلسطينيين، ومقاربته التصعيدية تُجاه إيران، إلى جانب ارتباط “إسرائيل” الوثيق بالولايات المتحدة، تجعل استعادة مستوى التقارب السابق أكثر تعقيدًا.

الضغوط الأمريكية والتجسس.. حدود التعاون مع بكين

إلى جانب الخلافات السياسية، تواجه العلاقات الصينية-الإسرائيلية تحديًا أكثر تعقيدًا يتمثل في الضغوط الأمريكية الرامية إلى الحد من الحضور الصيني في القطاعات الإسرائيلية الحساسة.

فالولايات المتحدة تنظر إلى الصين باعتبارها منافسًا استراتيجيًا، وتخشى أن يؤدي التعاون التكنولوجي بين بيجين وتل أبيب إلى انتقال تقنيات متقدمة أو معلومات حساسة قد تؤثر في مصالحها الأمنية وتفوّقها العسكري.

وقد برزت هذه المخاوف في ملفات الاستثمارات الصينية في الموانئ والبنية التحتية الإسرائيلية، ولا سيما ميناء حيفا، فضلًا عن التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وأشباه الموصلات.

تايوان وإيران.. ملفات تزيد تعقيد العلاقة

يُضاف إلى عوامل التوتر بين الصين و”إسرائيل” تنامي الاتصالات الإسرائيلية-التايوانية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة زيارات متبادلة لوفود برلمانية ومسؤولين، رغم غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الجانبين.

ومن أبرز هذه التطورات الزيارة غير المعلنة التي قام بها نائب وزير الخارجية التايواني فرانسوا وو لـ”إسرائيل” أواخر عام 2025.

ولا تقتصر أهمية هذه الاتصالات على الجوانب السياسية والاقتصادية، بل تمتد إلى الاهتمام بالتعاون التكنولوجي والدفاعي، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والتقنيات المتقدمة. وتسعى تايوان إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في تطوير منظومات الدفاع متعددة الطبقات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاقات عسكرية معلنة أو عمليات نقل أسلحة مؤكدة بين الجانبين.

الصين تترك الباب مفتوحًا أمام أية حكومة

تشير التحركات الدبلوماسية الصينية خلال عام 2026 إلى أن بيجين لا تتجه نحو القطيعة مع “إسرائيل”، رغم الخلافات السياسية المتزايدة بين الجانبين.

ففي الفترة الممتدة بين الـ6 والـ8 من كانون الثاني 2026، زار المبعوث الصيني الخاص لشؤون الشرق الأوسط تشاي جون “إسرائيل”، والتقى وزير الخارجية جدعون ساعر وعددًا من المسؤولين، لبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية. وأكد الجانب الصيني أهمية استمرار التبادلات والتعاون المتبادل بين الطرفين.

وفي الـ 15 من تشرين الأول 2026، التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في باكو. وتناول اللقاء العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، في مؤشر إلى استمرار قنوات التواصل السياسي رغم الخلافات.

تكشف نتائج الانتخابات الإسرائيلية، أن مستقبل العلاقات مع الصين لا يتوقف على هوية رئيس الوزراء المقبل وحدها، بل يتحدد ضمن شبكة معقدة من المصالح والتناقضات الإقليمية والدولية.

لذلك، فإن السؤال الأساسي بالنسبة إلى الصين لا يتمثل في بقاء نتنياهو أو رحيله، وإنما في مدى قدرة الحكومة الإسرائيلية المقبلة على تبنّي سياسات تسمح بإعادة بناء الثقة السياسية وتخفيف التوترات الإقليمية. فبكين قد تكون مستعدة للتعامل مع أي تشكيل حكومي، ولكنها لن تتجاهل السياسات التي تمسّ مصالحها ومواقفها الاستراتيجية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى