عون مدافعًا عن “تفاهم” واشنطن.. البحث عن إنجاز لم يتحقق

بقلم: علي عبادي..
يدافع الرئيس جوزيف عون عن نهج المفاوضات المباشرة مع العدو “الإسرائيلي” بمنطق يعتمد على وعد أمريكي بالسلام والاستقرار. لكن المقدمات لا تشير إلى أن هذا الوعد قابل للتحقق على النحو الذي يتوقعه الرئيس اللبناني.
ويبدو الرئيس وحيدًا أكثر فأكثر في هذا المسار بعدما أخلى له رئيس الحكومة نواف سلام الطريق بتغطية من المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، من دون أن يعني ذلك تراجعًا من سلام عن تأييد المفاوضات وهو الذي فاخر بكسر هذا المحظور.
ويبدو كذلك أن الرئيس عون لا يحسب “خط الرجعة” في هذا الشأن، وهو الذي يعتبر الخيار الأمريكي قدرًا لا بد من التسليم له. ويبدو هذا التسليم جليًا في موافقته على “التفاهم” الذي أعلنت الخارجية الأمريكية سريانه اعتبارًا من 16 الجاري، والذي تمت صياغته بروح “إسرائيلية” وبناءً على رؤية “إسرائيلية” تسمح بمتابعة العدوان على لبنان وشعبه بعنوان “الدفاع عن النفس”، ولا تشير إلى الانسحاب “الإسرائيلي” من لبنان من قريب أو من بعيد.
ومن اللافت أن الرئيس عون لم يتطرق إلى التفاهم المذكور إلا يوم الإثنين 27 نيسان 2026 في كلمة له أمام وفد من حاصبيا والعرقوب بعد أكثر من 10 أيام على الإعلان الأميركي عنه. وسبق أن تناول عون في خطاب متلفز له يوم 17 الجاري وقف النار، من دون ذكر “التفاهم”، ما يشير إلى أنه تحاشى آنذاك الاعتراف به علنًا بسبب ما يعتورُهُ من إشكالات في الشكل والمضمون، خاصة أن مجلس الوزراء اللبناني لم يناقش بنوده. وهذه الملاحظة تقودنا إلى استنتاج هام يتعلق بغياب المصارحة واحترام الآليات الدستورية في قضية مصيرية، فأي غموض أو تهريب لمواضيع حساسة يعني الافتقار إلى الشجاعة في مخاطبة اللبنانيين فيما يهمّهم، وإلى الجرأة في رفض ما يتعارض مع أمن لبنان وكرامته.
وبما أن الرئيس عون يتصدى للشأن التفاوضي في وقت يتعرض لبنان، والجنوب على وجه خاص، لحملة تدمير ممنهجة من جانب الاحتلال، فإن الانتقادات تتزايد بشأن فائدة المفاوضات ووقف النار الذي تباهى رئيس الجمهورية بإنجازه وشكر “الصديق” ترامب لإعلان شمول لبنان به. وقد ردّ عون على الانتقادات بالإشارة للمرة الأولى إلى “التفاهم” الذي شرّع استمرارية العدوان والاحتلال، لكنه اكتفى بالاستشهاد بجزء من الفقرة الثالثة منه جاء فيه: “لن تقوم “إسرائيل” بأي عمليات عسكرية هجومية ضد أهداف لبنانية -بما في ذلك الأهداف المدنية والعسكرية وغيرها من أهداف الدولة- داخل الأراضي اللبنانية، سواء برًا أو جوًا أو بحرًا”.
لكن الرئيس عون تغافل عن الجزء السابق في الفقرة نفسها، وفيه: “تحتفظ “إسرائيل” بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أية هجمات مُخطط لها أو وشيكة أو جارية، ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق”. وواضح أن الجانب “الإسرائيلي” يستخدم هذا النص بما تملي رؤيته الأمنية والسياسية في إجراء المفاوضات “تحت النار”، وهو ما أكده رئيس وزراء العدو نتنياهو مرة أخرى يوم الإثنين 27 نيسان 2026 عندما قال إن “حرية عملنا لإحباط التهديدات الفورية والناشئة هي جزء من الاتفاق الذي توصلنا إليه مع الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية“.
نأتي إلى موضوع احتجاج رئيس الجمهورية بعدم الحاجة إلى الإجماع للذهاب إلى التفاوض، قائلًا: “يحاسبنا البعض بأننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني وأنا أسأل: هل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولًا بالإجماع الوطني؟“.
في الواقع، لم تذهب المقاومة إلى الحرب من فراغ. يعلم الرئيس عون أن الدولة اللبنانية مُنحت فرصة طويلة وكافية لوقف الاغتيالات “الإسرائيلية” في عمق لبنان وتدمير الحياة في المناطق الحدودية، وبدا أنها مغلوب على أمرها، إنْ أحسنّا الظن بالنوايا، فهي تعتمد إلى حد كبير على إحسان وصدقات “الصديق” الأميركي الحليف والراعي والسند للعدو “الإسرائيلي”. كما أن اتفاق وقف النار للعام 2024 يمنح الطرفين الحق في “الدفاع عن النفس”، بخلاف “التفاهم” الجديد الذي حصره بالجانب “الإسرائيلي”. وقد امتنع لبنان الرسمي عن استخدام هذا الحق وترك المقاومة وأهلها فريسة العدوان لخمسة عشر شهرًا، ما يجعل المقاومة في حِلٍّ من الالتزام الأحادي بوقف النار ويمنحها حقًا أصيلًا وطبيعيًا في الدفاع عن النفس، من دون الحاجة إلى أي تبرير أو إجماع لن يتوفر في أي حال.
ثم إن المقارنة بين المبادرة إلى الرد على العدوان واللجوء إلى خيار التفاوض غير متناسبة. فالمقاومة حق أصيل للمُعتدى عليه، والتفاوض يتم حاليًا على قاعدة شروط العدو وتحت ناره، ما يشكل مساسًا بكرامة لبنان وإضعافًا لموقعه التفاوضي. وقد بيّنا ما في هذا الأمر من تداعيات وخيمة على لبنان.



