اراء

الحضارة في مواجهة الغطرسة.. حين تتوعد القوة العمياء أمة صُنّاع العقل الإنساني

بقلم: إلهامي المليجي..

ليست المشكلة في عبارة دونالد ترامب أنها فظة أو متغطرسة فقط، بل إنها عبارة جاهلة على نحو صادم. حين يهدد رئيس الولايات المتحدة بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، فهو لا يعبّر عن ثقة قوة تعرف نفسها، بل عن عجز عن فهم ما تعنيه الحضارات حين تتجاوز عمر الدول، وحين تصبح جزءًا من الوجدان الإنساني لا مجرد هدف على شاشة حرب.

وفي هذا تكمُنُ المفارقة الفادحة: رجل يتكلم باسم أقوى دولة في العالم بلغة تدميرية بدائية، في مواجهة بلد لا تختصره خريطة عسكرية ولا نظام سياسي راهن، بل يمتد في الزمن بوصفه إحدى الكتل الحضارية الأقدم والأعمق في المنطقة.

حضارة أقدم من خطاب الحرب

فإيران، أو بلاد فارس في معناها الحضاري الأوسع، ليست مجرد دولة حديثة يمكن قراءتها في ضوء توازنات اللحظة فقط. إنها امتداد تأريخي يعود إلى آلاف السنين، من الإرث الأخميني الذي ارتبط باسم كورش الكبير، إلى التراكم الفارسي الذي عبر العصور القديمة والوسيطة والحديثة، وظل حاضرًا في التنظيم والرمز واللغة والثقافة.

ومن هنا، لا تبدو الإشارة إلى أسطوانة كورش مجرد عودة أثرية إلى الماضي، بل استدعاءً لمعنى أن ثمة شعوبًا لا تبدأ بتأريخها من نظامها الراهن، بل من عمق حضاري يسبق الدول المتعاقبة ويظل أبقى منها.

من كورش إلى اللغة الحية

غير أن الحضارة ليست حجارة وتماثيل وآثارًا محفوظة في المتاحف فقط، بل قدرة على البقاء في المعنى. وفارس القديمة لم تكن مجرد سلطة توسع، إنما فضاء حضاري ترك أثره في الإدارة والرمز والدلالة، ثم جاء الإسلام فلم يبتلع ذلك الإرث، بل أعاد صهره في دورة حضارية جديدة شاركت فيها الفارسية لا بوصفها بقايا ماضٍ منقرض، بل بوصفها لغة مشاركة في بناء عالم إسلامي جديد. ومن هنا، يصبح الحديث عن الأدب الفارسي، والفكر الفارسي، والروح الفارسية، حديثًا عن أحد الروافد الكبرى التي صبّت في نهر الحضارة الإسلامية، لا عن هامش يجاورها من بعيد.

حين يتجاور الشعر والعقل

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاوز أسماء بعينها، لا على سبيل الزينة الثقافية، بل بوصفها شواهد حية على عمق الإسهام الفارسي. فعمر الخيام، مثلًا، لا يُستدعى هنا كشاعر رباعيات فحسب، بل بوصفه صورة لحضارة لا تفصل بين الحس الجمالي والعقل العلمي؛ شاعرًا ورياضيًا وفلكيًا في آن.

وابن سينا لا يحضر باعتباره طبيبًا وفيلسوفًا كبيرًا فقط، بل باعتباره واحدًا من الجسور الكبرى التي عبرت عليها الفلسفة والطب من العالم الإسلامي إلى أوروبا. ثم يأتي جلال الدين الرومي، ليشير إلى أن الفارسية لم تكن مجرد لغة قومية، بل لغة حملت معنى روحيًا كونيًا، ووسّعت أفق التجربة الصوفية في الإسلام إلى أقصى مداه.

خراسان: مصنع العقل الإسلامي

لكن الصورة لا تكتمل بالأدب والفلسفة والروح وحدها. فحين نقترب أكثر من بنية العقل الإسلامي نفسه، نجد أن الإسهام الفارسي-الخراساني لم يكن إضافيًا أو ثانويًا، بل تأسيسيًا في غير باب من أبوابه الكبرى.

خراسان وما جاورها لم يكونا مجرد أقاليم طرفية في الدولة الإسلامية، بل تحوّلا، منذ القرون الأولى، إلى مراكز هائلة لإنتاج العلم والمعرفة. بخارى ونيسابور وطوس ومرو وسمرقند لم تكن محطات على الهامش، بل كانت مراكز جذب للعلماء والرحالة وطلاب المعرفة، وأسهمت بقوة في تدوين السنة، وصوغ المذاهب، وتطوير الجدل الكلامي، وتوسيع آفاق الفلسفة.

ما الذي يريد العدوان محوه؟

لهذا، يكتسب كل هذا الاستدعاء أهميته الآن. فحين يهدد ترامب إيران بلغة “العصر الحجري”، فهو لا يهدد دولة معاصرة فحسب، بل يتكلم بجهل فادح عن بلد أسهم، عبر تأريخه الطويل، في بناء جزء معتبر من العقل الإسلامي الذي ما يزال حيًا في وجدان مئات الملايين من المسلمين. من كورش إلى الخيام، ومن ابن سينا إلى الرومي، ومن البخاري إلى الغزالي، نحن أمام إسهام لا يمكن شطبه من الذاكرة الإسلامية إلا بشطب جزء من الإسلام الحضاري نفسه.

ولهذا، فإن الدفاع عن حقيقة هذا الإسهام ليس انحيازًا قوميًّا ضيقًا، بل دفاعاً عن صدق التأريخ في مواجهة تبسيط وحشي لا يرى في الأمم إلا خرائط قصف وأهدافًا عسكرية. فالحضارات لا تُقرأ من فوهة المدفع، ولا تختصرها عبارة كراهية عابرة، حتى لو خرجت من فم رئيس أقوى دولة في العالم. ومن هنا، ينفتح الباب على السؤال الذي سيشكّل محور الجزء الثاني: ماذا يكشف هذا الخطاب المتوحش، بكل ما ينطوي عليه من فظاظة وتهديد حضاري، عن أزمة القوة الأمريكية نفسها؟.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى