اراء

اتفاقية إسرائيل ولبنان.. استسلام استراتيجي يعيد إنتاج أخطاء أوسلو

بقلم: د. مهدي مبارك عبد الله..

في تطور سياسي وأمني لافت في حينه، جاء اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل المعلن في 26 تشرين الثاني 2024 في سياق تصاعد التوتر على الجبهة الجنوبية للبنان وضمن مسار دبلوماسي قادته الولايات المتحدة بدعم من فرنسا وأطراف إقليمية ودولية بهدف خفض التصعيد وإعادة تثبيت قواعد وقف الأعمال العدائية بين الطرفين، وقد أُعلن الاتفاق عقب وساطة دولية مكثفة ونص على مجموعة من آليات التنفيذ والمراقبة دون أن يرقى إلى مستوى معاهدة سلام أو تسوية سياسية نهائية، إذ ظل محصورًا في إطار ترتيبات أمنية لوقف إطلاق النار وتنفيذ الالتزامات المتبادلة .

المشهد اللبناني اليوم يقف عند لحظة سياسية بالغة الحساسية حيث يتقاطع المحلي بالإقليمي والدولي في صياغة اتفاق لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تفاهم تقني لوقف إطلاق النار أو إدارة الحدود بل بوصفه إعادة تشكيل عميقة لمفهوم السيادة ذاته وإعادة تعريف لطبيعة الدولة وحدود القرار الوطني في سياق شرق أوسطي يعيش مرحلة إعادة ترتيب قسرية لموازين القوة.

إن جوهر الإشكالية في الاتفاق الإسرائيلي اللبناني لا يكمن في تفاصيله المباشرة بل في بنيته الفكرية التي تقوم على تحويل السيادة من حق ثابت إلى مكافأة مشروطة وتقديم الانسحاب بوصفه نتيجة لسلوك الطرف الآخر لا بوصفه التزاماً أصيلاً على قوة الاحتلال وهذا التحول في المنطق السياسي يشكل في حد ذاته انقلاباً على الأسس التي قام عليها القانون الدولي الحديث.

تأريخياً لم تكن هذه الصيغة جديدة بالكامل بل هي امتداد لتجارب سابقة أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة من أوسلو إلى اتفاق السابع عشر من أيار إلى نماذج الإدارة الأمنية في مناطق النزاع حيث تتحول السلطة المحلية إلى جهة تنفيذية مكلفة بضبط مجتمعها أمنياً لصالح قوة خارجية تحت عنوان الاستقرار.

في الحالة اللبنانية يتخذ هذا النموذج طابعاً أكثر تعقيداً، لأن الدولة هنا ليست كياناً ناشئاً أو سلطة انتقالية بل دولة قائمة ذات سيادة معترف بها دولياً ومع ذلك يتم دفعها نحو موقع وظيفي شبيه بالوكالة الأمنية بما يعني أن السيادة لا تمارس بوصفها حقا بل بوصفها تكليفا مشروطا بإثبات القدرة على نزع عوامل القوة الداخلية التي تصنفها إسرائيل تهديداً أمنياً.

التجارب التأريخية السابقة تشير إلى أن هذا النوع من الاتفاقات لا ينهي الصراع بل يعيد تنظيمه ضمن مستويات جديدة أقل وضوحاً وأكثر استدامة حيث تنتقل المواجهة من ساحات الحرب المباشرة إلى ساحات الضغط السياسي والأمني والاقتصادي الداخلي وفي الواقع اللبناني إن هذا المسار يحمل خطورة مضاعفة، لأنه يتقاطع مع بنية داخلية شديدة الحساسية، ممّا يجعل أية محاولة لتنفيذ الاتفاق قابلة لإنتاج انقسام سياسي حاد ومضاعف قد يتطور إلى صراع داخلي إذا غابت التوافقات الوطنية حول جوهره.

ربما تكون المقارنة مع تجارب مثل فيتنام أو فيشي أو سايغون ليست مقارنة شكلية بل تعكس نمطاً متكرراً في التأريخ السياسي الحديث، حيث يتم تقديم ترتيبات انتقالية بوصفها خطوات نحو السيادة بينما تؤدي في الواقع إلى إعادة إنتاج السيطرة ولكن بأدوات أكثر مرونة وأقل كلفة على القوة المهيمنة.

مع كل ذلك، يصبح الحديث عن السيادة في الخطاب السياسي اللبناني جزءا من إشكالية أكبر، لأن السيادة هنا لا تقاس بقدرة الدولة على فرض قرارها بل بقدرتها على التكيف مع شروط خارجية معقدة وهو ما يخلق فجوة بين الخطاب والواقع.

أما في البعد الإقليمي للاتفاق فهو يعكس محاولة لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة عبر فصل الساحات وإضعاف الترابط بين الملفات وبما يسمح بإدارة كل ساحة بشكل منفصل وفق حسابات مختلفة وهو ما ينسجم مع مقاربة أمنية ترى في تشابك الجبهات تهديداً يجب تفكيكه لكن هذا التفكيك لا يعني بالضرورة الاستقرار بل قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الصراع بصور جديدة لأن تفكيك الساحات لا يلغي جذور التوتر بل يعيد توزيعها ضمن خرائط مختلفة.

لعل أخطر ما في الاتفاق ليس أنه يمنح إسرائيل مكاسب أمنية فحسب بل أنه يعيد تعريف مفهوم السيادة ذاته وبدلاً من أن تكون السيادة حقاً أصيلاً للدولة يصبح الحصول عليها مكافأة مشروطة تمنحها القوة المحتلة بعد التحقق من حسن السلوك الأمني للطرف الواقع تحت الاحتلال وعندما تتحول الدولة إلى جهة مكلفة بتنفيذ المتطلبات الأمنية لخصمها قبل استعادة أرضها وبهذا فإننا لا نكون أمام اتفاق سلام حقيقي بل أمام إعادة هندسة للاحتلال بأدوات قانونية وسياسية أقل كلفة وأكثر دواماً وهذه هي بالضبط التجربة السيئة التي بدأت في أوسلو ولم تنتهِ حتى اليوم حيث يخشى كثيرون أن تبدأ الآن فصلاً لبنانياً جديداً من التأريخ نفسه وإن اختلفت الأسماء والعناوين  .

بناءً على ما سبق يصبح الاتفاق ليس مجرد وثيقة سياسية بل لحظة تأسيسية لإعادة تعريف الدولة في لبنان وإعادة رسم حدود السيادة ضمن بيئة إقليمية ودولية لا تزال تبحث عن توازناتها النهائية دون أن تقدم إجابة حاسمة عن سؤال العدالة والسيادة والاستقلال الحقيقي في ظل عقيدة الأمن أولاً التي تجعل الأمن الإسرائيلي شرطاً سابقاً على الحقوق والسيادة وهو المنهج نفسه الذي حكم وكبل اتفاق أوسلو.

أخيرا، لا نبالغ إذا ما قلنا إن إطار الاسرائيلي اللبناني الأخير يعتبر في حيثياته أخطر من اتفاق أوسلو المشؤوم، لأن أوسلو قام بين قوة احتلال وحركة تحرر وطني، بينما الاتفاق اللبناني يُحمّل دولةً ذات سيادة مسؤولية تنفيذ المتطلبات الأمنية للاحتلال قبل أن تستعيد سيادتها على أرضها، وهذا يشكل انقلابا كاملا على فلسفة القانون الدولي وتطبيقاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى