اراء

هل بدأت المعركة الأخيرة لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين؟

بقلم: شرحبيل الغريب..

لا مكان للأونروا في غزة الجديدة، نحن نطوي صفحة عقدة الاعتماد الدائم على المساعدات والصراع”.. هذه الكلمات ليست مجرد تغريدة على حساب منصة “إكس” لما يسمّى مجلس السلام التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول غزة الجديدة، ولا موقفًا سياسيًا يمكن أن يمر مرور الكرام، بل تعكس توجهًا لرؤية سياسية تستحق التوقف عندها مليًا، لأنها لا تتحدث عن مؤسسة دولية إغاثية فحسب، بل تمس أحد أكثر الملفات حساسية في القضية الفلسطينية، والمتمثل في قضية اللاجئين الفلسطينيين.

حين يتحدث مجلس السلام عن غزة الجديدة بلا أونروا، فإنه يتحدث عمليًا عن غزة بلا لاجئين فلسطينيين، وغزة بلا ذاكرة وبلا حقوق، فالأونروا ليست مؤسسة خدماتية فحسب، بل هي تجسيد لاعتراف دولي بأن قضية ملايين اللاجئين الفلسطينيين مازالت قائمة وتحتاج إلى حل، وتصفية الأونروا بهذا الشكل ليست حلًا للمشكلة، بل محاولة لتصفية أصحابها، وحين يُستهدف وجود الأونروا، لا يكون الجدل حول مؤسسة إغاثية فقط، بل حول الذاكرة السياسية والقانونية لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وحول ما إذا كان العالم يتجه إلى إعادة تعريف واحدة من أقدم القضايا التي مازالت تنتظر العدالة.

استهداف الأونروا بهذا الشكل لا يمكن فصله عن التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، فبينما تتسارع النقاشات في العواصم حول اليوم التالي وإعادة الإعمار وتشكيلة الحكم في غزة، يبرز الحديث عن محو وجود مؤسسات ارتبطت تأريخيًا بالقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الأونروا.

وإذا كان المقصود بغزة الجديدة هو غزة بلا وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، ماذا يبقى من قضية اللاجئين إذا غاب الشاهد الدولي الذي ارتبط بها منذ أكثر من 70 عامًا؟.

هناك سؤال مهم في هذا السياق، ماذا يعني غزة الجديدة بلا أونروا وفق ما يروّج مجلس السلام؟ قد يبدو للبعض أن الأمر متعلق بالاعتماد على المساعدات، لكن القضية أوسع من ذلك، فالأونروا هي الشاهد الوحيد على قضية اللاجئين التي نشأت نتيجة سلب الأرض وتهجير السكان وحرمانهم من حق تقرير المصير والعودة، والمشكلة في هذا السياق، والتي لا تجيب عنها هذه المواقف الصادرة عن مجلس السلام، هي، كيف يمكن إنهاء الاعتماد على المساعدات بينما يستمر الاحتلال في تدمير البنية التحتية، واستمرار سياسات التهجير، وحرمان ملايين اللاجئين الفلسطينيين من حل سياسي وُجدت الأونروا أساسًا لمعالجته؟ وبالتالي، فإن إنهاء الحاجة إلى الأونروا لا يكون بإلغائها، بل بإزالة الأسباب التي أوجدتها، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي.

ستنعكس تداعيات إنهاء دور الأونروا في قطاع غزة سلبًا على اللاجئين الفلسطينيين بشكل مباشر، فمن المعروف أن قطاع غزة يضم عددًا كبيرًا من المخيمات التي تؤوي اللاجئين، من جباليا شمالًا إلى مخيم يبنا في رفح جنوبًا، وتعتمد هذه المخيمات على المساعدات الغذائية، ناهيك عن عشرات الآلاف من الطلبة الذين يدرسون في مدارس الأونروا، وآلاف المرضى الذين يتلقون الخدمات الصحية في مراكزها، وفي ظل الظروف الإنسانية الحالية، سيكون من الصعب تعويض هذا الفراغ من أية مؤسسة دولية أخرى مهما كبرت تمويلاً.

والأهم أن التداعيات لن تتوقف عند الجانب الإنساني، بل ستمتد إلى البعد الوطني، إذ إن أي تراجع في حضور الأونروا يعني تراجعًا في حضور قضية اللاجئين على المستوى الدولي، وهو ما يفرض على الفلسطينيين التعامل مع هذه التطورات باعتبارها قضية سياسية بامتياز، لا مجرد أزمة تمويل ومساعدات.

المعركة اليوم تُخاض على أكثر من صعيد، ومن المهم عدم إغفال معركة الرواية والسردية، والضغط السياسي، وتكثيف الحضور الإعلامي والقانوني في المحافل الدولية والعربية، لأن الصمت أمام محاولات تصفية الأونروا في قطاع غزة لن يكون خيارًا حكيمًا، والمطلوب اليوم إطلاق حملات إعلامية وقانونية ودبلوماسية تشرح للرأي العام معنى وجود الأونروا، وتوضح أن إنهاء دورها يمس بشكل مباشر قضية اللاجئين الفلسطينيين ويزيد من تعقيدها، ويتطلب نجاح أية حملة الاستناد إلى الحقائق الثابتة في هذا الموضوع والقانون الدولي وسردية إعلامية واضحة تخاطب العالم بلغة الحقوق والالتزامات الدولية لا بلغة الشعارات فقط، هكذا تكون أكثر نجاعة وفاعلية وتأثيرا.

تغريدة مجلس السلام التي تدعو إلى غزة جديدة بلا أونروا ليست مجرد موقف إعلامي أو رأي، بل تعكس تحولًا خطيرًا في مقاربة قضية اللاجئين، ومحاولة لإعادة تعريف واحدة من أهم قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وهنا يجب إعادة التذكير بأن الأونروا ليست مجرد مؤسسة إغاثية، بل هي شاهد دولي على قضية لا تزال قائمة، وأن ملايين الفلسطينيين اللاجئين لم تُنهَ حقوقهم، وإن الطريق إلى إنهاء الحاجة إلى الأونروا لا يبدأ بإلغائها، بل يبدأ بإنهاء الأسباب التي أوجدتها، عبر إنهاء الاحتلال والوصول إلى حل عادل ودائم لقضية اللاجئين، وضمان حق العودة وفق القانون الدولي والقرارات الأممية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى