اراء

لبنان يواجه نسخة التهويد الثالثة.. واتفاق الطائف ينهيه “طابق الخيانة”

بقلم: فؤاد البطاينة..

لا أفرّق بين مطبع وآخر ولكنني أفرّق بين تطبيع وآخر، طبقاً لخطورة طبيعته وغرض صاحبه. فتطبيع لبنان هو أخطر تطبيع عربي، لأنه مطلب تقليدي لقيادات شرائح لبنانية طائفية تكافح منذ عقود طويلة لنزع عروبة لبنان الأرض والشعب والعقيدة لحساب الكيان الصهيوني وروايته التوراتية التوسعية.

ان هذه الشرائح أو قياداتها تشعر بانتمائها لهذا الكيان ومشروعه وتسعى لتسليم لبنان له. تعاونها وتحالفها معه متواصل لكسر التوافق اللبناني وتركيبته القائمة على الديمقراطية الطائفية واختراقها وفرض دكتاتورية السلاح الصهيوني على القرار السياسي اللبناني برئيس عميل يتدكتر. ومرّ اللبنانيون بثلاثة فصول في هذا السياق، ووصل العدو في اثنين منها لبيروت لإسناد حلفائه واندحر. ولبنان اليوم يواجه الفصل الثالث في ظروف صعبة.

ـ الفصل الأول: في تجربة الحرب الأهلية الضيقة عام 1958 على خلفية تعاون الرئيس كميل شمعون مع مشروع أيزنهاور الاستعماري الغربي رغم الرفض الشعبي اللبناني، مما أدى الى طلبه الحماية الأمريكية وإنزال قوات المارينز في بيروت، والنتيجة سقط شمعون ونجا لبنان.

ـ الثاني: في الحرب الأهلية الطويلة عام 1975 – 1989 ودخول جيش الاحتلال عام 1982 بمائة ألف جندي وتوسيع احتلاله لجنوب لبنان ودخول بيروت بمساعدة حلفائه اللبنانيين بقيادة رئيس الكتائب بشير الجميل، مما أدى لرحيل المقاومة الفلسطينية عن لبنان وانتخاب الجميل رئيساً للجمهورية، وتحييده سريعا، وأعقبته مذابح صبرا وشاتيلا. وصولاً لعقد اتفاق الطائف الذي على أساس بنوده تعاقدت الأطراف اللبنانية وانهت الحرب الأهلية. والنتيجة سقطت المؤامرة ونجا لبنان من قبضة الكيان، وبرز حزب الله.

ـ الفصل الثالث: الذي نعيشه الآن ولد من رحم مخاض ملعوب تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية ريثما تتاح الفرصة لتنصيب العميل بنسخته الثالثة. ولخبرتي في الشأن اللبناني بحكم عملي ربما كنت من أوائل المنبهين لهذا الشخص وهو ميشيل عون، وتحدثت عنه بمقالات عدة أثناء أزمة انتخابات الرئاسة على أنه الحصان الصامت في الظل الذي كانت تراهن عليه أمريكا والكيان. فكل ما كان يجري من جلسات وترشيحات هو للمشاغلة لحين توفر الظرف السياسي، إلى أن توفر بالصورة التي شاهدناها في خضم طوفان الأقصى وإسناده، وأصبح رئيساً للجمهورية.

عروبة لبنان قائمة بوجود حزب الله. وعنوان المرحلة الممتدة من عام 1983 لهذا اليوم هو “إما سلامة حزب الله المقاوم، أو لبنان في قبضة الكيان”. حقيقة من ينكرها إما جاهل أو جاحد لا يستحي. أما اليوم في ظل الظروف القائمة فإن المرحلة خطيرة، فيها عروبة لبنان ولبنانية لبنان على المحك، وأمام حزب الله وأحرار لبنان في هذه المواجهة عنصران رئيسان يُمكن الانطلاق منهما لإفشال ابتلاع لبنان.

ـ الأول: هو اتفاق الطائف الذي على أساس بنوده ومبادئه وتوافقاته تعاقدت الأطراف اللبنانية وأوقفت حربها الأهلية.

ـ والثاني: تجاوز رئيس الجمهورية لصلاحياته الى صلاحيات رئيس الوزراء بعد أن تخلّى الأخير عنها في طابق خيانة ينهي اتفاق الطائف.

فاتفاق الطائف ينص على توافقات تحكم الحياة السياسية، وعلى مبادئ أساسية وعلى رأسها ما نصه حرفياً أن يبقى لبنان، عربي الهوية والانتماء، وما نصه حرفياً أيضاً، أن كل سلطة تناقض هذه المبادئ لا شرعية لها، أما بشأن رئيس الجمهورية فقد قلص اتفاق الطائف صلاحياته وجعلها رمزية، ونص على أن مجلس الوزراء هو الذي يضع السياسات العامة وينفذها. وأعطى رئيس الجمهورية حق المشاركة في اجتماعات مجلس الوزراء دون حق التصويت، ويترأسها إن كان حاضراً.

ما حدث هو أن جيء برئيس للجمهورية بالطريقة التي ذكرناها ليعمل على ترتيب اختيار رئيس الوزراء، كعميلين يتعاونان على وأد كل الموازين التقليدية والدستورية الناظمة للحياة السياسية في لبنان وعلى رأسها اتفاق الطائف ومبادئه ويقومان بتنفيذ المطلوب منهما أمريكياً وصهيونياً في ظرف سياسي وعسكري مرتبك. مع الأخذ بالعلم إن الردة على اتفاقية الطائف تعني الردة على شروط انتهاء الحرب الأهلية.

عروبة لبنان، ولبنانيته اليوم بخطر وعلى المحك.. وهذا يتطلب من قوى الشعب اللبناني الحرة أن تنتبه وتعتمد على نفسها والتفافها حول المقاومة لحماية لبنان وشعبه من الأسرلة. والمتوقع من حزب الله ككتلة سياسية مقاومة حرجة، أن يبادر لتشكيل تحالف سياسي للقوى والأحزاب السياسية اللبنانية الرافضة للاتفاق الإطاري، على برنامج عمل سياسي يُسقط هذا الاتفاق الاخضاعي الاحتلالي للبنان والمتمرد على التوافق اللبناني واتفاق الطائف، يسقطه في الشارع ويسقط النسخة الثالثة للعمالة العميقة كما أسقط ما قبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى