اراء

الثورة الإسلامية وانفجار النور

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
قبل سبعة وأربعين عاماً وفي ليل مُدْلَهم تراكمت فيه الهزائم فوق الصدور، انبثق من رحم المعاناة في بلاد تمتد حضارتها لآلاف السنين، فجّر جسوراً وتفجّر في وجه الطغيان، نورٌ قال عنه الإمام الخميني “رضوان الله عليه” إنه انفجار نور، لم تكن كلماتٍ تُقال ولا شعاراتٍ تُرفع بل كانت قدراً موعوداً من السماء ومساراً يُرسم وأمة تنهض من تحت الركام، لتعلن أن للصبر مدى يتجاوز المدى، وأن للإيمان طاقة تتخطّى حدود الفطرة البشرية حين تتصل بسماء الرجاء، منذ الساعات الأولى لانفجار الثورة الإسلامية بدا المشهد انقلاباً على انقلاب، وتحولاً يزلزل الأركان، إيران الشاهنشاهية التي كانت حليفة الغرب وشرطي الخليج وصديقة أنظمة الحكم العربية التي كانت تتسابق في بلاطات المجد الزائف، لتقبيل يد الشاه ومصافحة الوهم، تبدّلت صورتها وتغيّر عنوانها. كانت بالأمس صديقة مدلّلة فإذا بها اليوم خصماً معلناً وكانت حليفاً يُسترضى، فإذا بها عدواً يُقصى، فتُفرض عليه المقاطعة، وتُشهر في وجهها العقوبات تلو العقوبات. انقلبت الموازين وتبدّلت العناوين وتحوّلت الجمهورية الإسلامية إلى العدو الأول، وهدف لحصارٍ شامل وعدوان متواصل، مؤامرات لا تهدأ ومقاطعة اقتصادية من أمريكا وأوروبا وتبعتها دوائر النفوذ شرقاً وغرباً. ضاقت الأرض بما رحبت وأُريد للنور أن يُطفأ، وللثورة أن تُجهض، وللأمل أن يُوأد في مهده، ويأبى الله إلا ان يتم نوره ولو كره الكافرون، ثم كانت الحرب المفروضة التي شنها المقبور صدام بأمر من أمريكا ودعم اعرابي كامل لتستمر ثماني سنين عجاف، صليل سلاح وهدير مدافع ودماء تسيل على ثرى الإباء. حرب أُريد لها أن تكون مقبرة للثورة وتدمير لشيعة آل البيت “عليهم السلام” في العراق وإيران، فإذا بها تصير معراجاً للصمود، ومحراباً للتحدي ومصهراً للإرادة. ثماني سنين من نارٍ لا تخبو وحصار لا يُرفع وضغوط لا ترحم، ومع ذلك لم تنكسر إرادة الأحرار ولم تنطفئ الشعلة ولم يخفت ذلك النور الذي تفجّر في قلوب شعب استمد حضارته من سبعة آلاف سنة وتأريخٍ عريق وإيمان عميق ويقينٍ وثيق. شعب صدق فيه قول المصطفى “صلى الله عليه وآله”: “لو كان العلم في الثريا لناله قومٌ من هؤلاء”، وأشار إلى سلمان المحمدي “رضوان الله عليه” فكان العلم مقصدهم والاجتهاد دربهم والتحدي وقودهم.
من رحم الحصار وُلِدت المعجزات وتحقق الاكتفاء الذاتي زراعياً وصناعياً ومن قلب المقاطعة نبتت الصناعات الكبرى، ومن بين ركام الحرب ارتفعت الصروح العلمية والإيمانية على حد سواء. إيران التي أُريد لها أن تركع وقفت بكل شموخ وإباء وكبرياء، والتي أُريد لها أن تعتمد على الغير، اكتفت وابدعت وتكفت وتفوقت.. إيران التي أُريد لها أن تتراجع تقدمت وأصبحت قوة صاروخية عملاقة يُحسب حسابها في الشرق الأوسط، وقد جربتها مدن الكيان المؤقت وجعلت من تل أبيب شاهدا وخرابا. إيران التي خطّت اسمها في ميادين التقنية والبحث والعلم واقتحمت مجالاتٍ كانت حكراً على الغرب ورفعت راية الصناعة المحلية في الزراعة والدواء والطاقة والتكنولوجيا. لقد تصدرت صادراتها من الطائرات المسيّرة عنواناً لقدرتها والبحث العلمي شاهداً على علو مسيرتها والاكتفاء الذاتي برهاناً على أن الإرادة إذا اقترنت بالعقيدة صنعت المعجزات.
إنه ليس إعجازاً خارج سُنن الكون بل هو إعجاز الصبر حين يتجاوز المألوف، وإعجاز الإرادة حين تتخطى الحدود، وإعجاز الإيمان حين يُحيل المحنة منحة، ويحوّل الحصار انتصاراً، ويجعل من الألم أملاً، ومن الجراح جناحاً يُحلّق في فضاء الإنجاز.
هكذا كان انفجار النور نوراً في الفكرة، ونوراً في المسيرة، ونوراً في المصير. نور واجه العواصف فلم ينطفئ، ولاقى العداء فلم ينكسر وصارع التحديات فلم يتصدع. نور انبعث من شعب مؤمن بقيادته معتز بعلمائه فخور بنخبه وطلابه وفلاحيه وعماله. شعب آمن أن الله ناصر عباده المؤمنين، وأن العاقبة للمتقين وأن مع العسر يسرا.
تحية إكبار وإجلال وتعظيمٍ للشعب الإيراني المسلم المؤمن قائداً وقيادة ونخبة وعلماءً وطلاباً وفلاحين، وهم يمضون في درب الوعد بخطى واثقة وقلوبٍ صابرة وعزائم لا تلين. سلام على ثورةٍ وُلدت من رحم المعاناة وكبرت في ميدان المواجهة وأثمرت في ساحات العُلا. سلام على نور، إذا انفجر أضاء الدروب، وكتب في سجل التأريخ سطوراً من صبر وحضور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى