اراء

جيفري إبستين.. إمبراطورية العار وسؤال الأسماء وتعرّي النفوذ أمام العدالة المؤجلة

بقلم: عدنان نصّار..

لم يكن جيفري إبستين مجرّد ممولٍ غامض يهوى الظهور في صور النخبة، بل كان عنوانًا لمرحلةٍ انكشفت فيها العلاقة الملتبسة بين المال والسلطة، حين يُختزل الإنسان إلى سلعة، وتتحوّل الأخلاق إلى هامشٍ في دفتر الصفقات.

قصته لم تكن سقوط رجلٍ أخطأ، بل سقوط منظومةٍ سمحت له أن يتمدّد، أن يقترب من دوائر القرار، وأن يتحرّك بثقة من يعرف أن الأبواب تُفتح بالمال كما تُفتح بالمجاملات. لم يكن يتحرّك في الظل، بل في قلب الضوء؛ ضوء الحفلات المغلقة، والابتسامات الرسمية، والصور الجماعية التي تخفي خلفها ما لا يُقال.

القضية، في جوهرها، لم تكن أخلاقية فحسب؛ كانت سياسية بامتياز. لأن السؤال لم يكن: ماذا فعل إبستين؟ بل: كيف استطاع أن يفعل كل ذلك وهو محاطٌ بشبكة علاقات تضم رؤساء سابقين، وأصحاب ثروات، وأكاديميين، وشخصيات متنفذة؟.

كيف تحوّلت الشبهات إلى همسٍ في الممرات، بدل أن تكون صفارات إنذار في ساحات العدالة؟.

الوثائق التي خرجت إلى العلن كشفت عن شبكة علاقات واسعة، لكن العلاقة بحد ذاتها لا تعني بالضرورة تورطًا جنائيًا. ومع ذلك، فإن كثافة الأسماء وثقلها السياسي والاقتصادي فتحا بابًا أكبر من القضية نفسها: باب المساءلة الأخلاقية.. هل كانت تلك الصداقات بريئة بالكامل؟ وهل كان الجميع يجهل ما كان يُتداول في الكواليس؟.

ثم جاء موته داخل زنزانته ليحوّل الملف من فضيحة أخلاقية إلى لغزٍ سياسي. الانتحار -كما أُعلن رسميًا- لم يُنهِ الأسئلة، بل فجّرها. تعطل كاميرات، غياب رقابة، ثغرات لا تليق بسجنٍ في دولةٍ تدّعي صرامة القانون. في تلك اللحظة، لم يمت رجل واحد فقط؛ ماتت فرصة إجاباتٍ كانت قد تعيد ترتيب المشهد.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبحدّة لا تقل عن حدّة الفضيحة ذاتها: ماذا عن الأسماء العربية إن وُجدت؟.

حتى اللحظة، لم تُثبت وثائق قضائية معلنة تورط شخصيات عربية معروفة في الجرائم المنسوبة إلى إبستين، غير أن طبيعة شبكاته الدولية، وامتداد علاقاته عبر عواصم المال والسياسة، تفتح الباب أمام تساؤل مشروع:

هل كانت المنطقة بعيدة حقًا عن تلك الدائرة؟ أم أن الصمت -إن كان هناك ما يستوجب الكلام- هو سيد المشهد؟.

السؤال هنا ليس اتهامًا، بل دعوة صريحة إلى الشفافية. ففي عالمٍ تتداخل فيه المصالح والاستثمارات والعلاقات العابرة للقارات، لا يكفي النفي العام ولا الصمت الثقيل. إن وُجدت أسماء، فمكانها الطبيعي هو القضاء لا التسريبات. وإن لم توجد، فالتوضيح العلني يقطع الطريق على الشائعات ويصون السمعة العامة.

المشكلة في مثل هذه القضايا أن الغموض يصبح بيئة خصبة للتأويل، وكل علاقة غير مشروحة تتحول إلى ظلٍّ ثقيل يلاحق أصحابها. العدالة لا تُبنى على الإيحاءات، لكنها أيضًا لا تزدهر في مناخ الضباب.

قضية إبستين لم تعد عن رجل واحد، إنها عن معادلة القوة حين تتحرر من الرقابة، وعن هشاشة الأخلاق حين تُستبدل بالمصالح، وعن عالمٍ يُحسن التجمّل في الصور الجماعية بينما يخفي في الزوايا حكاياتٍ لا تُروى.

الصحافة، إن أرادت أن تبقى جديرة باسمها، لا ينبغي أن تكتفي بترديد ما يُسمح لها به، عليها أن تسأل: من حضر؟ من استفاد؟ من صمت؟ ومن لم يُسأل أصلًا؟.

فالعدالة لا تُقاس بعدد الملفات المغلقة، بل بعدد الأسئلة التي سُمِح لها أن تُطرح بلا خوف.

وفي قضية بحجم إبستين، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تُذكر الأسماء.. بل أن تُمحى قبل أن تُذكر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى