اراء

عالم يتمخّض.. إنه سؤال الدرجة الصفر

د. ادريس هاني..

حين يصبح الإعلام جزءاً من معركة مفتوحة، فانتظر الوقائع الحارقة، فإنها أصدق لهجة وأقل تحليلا. فلقد تبين منذ الحرب العالمية الثانية تحديدا وسيزداد الأمر فظاعة عند الثورة السيبرانية، بأنّ منسوب التضليل فاق الحد الذي يتهدد الدماغ البشري بالانقلاب.

ان السرعة التي يسلكها الزيف إلى الأذهان، تعد مقصودة في هذا الـ”تخني”(Techne)، السباق نحو احتواء الدماغ البشري وتأهيله للعبودية الفائقة والقادمة على طريق الإخضاع. فالصراع بين السيد والعبد بات حقيقة لا تحتاج إلى الجدل الهيغلي، بل هي حقيقة مازالت ماثلة في حروب القرن الواحد والعشرين. حتى فكرة الإهانة في الاشتباك الدولي غايتها تعزيز هيمنة السيد وغلبته.

في نهاية المطاف لسنا أمام مشكلة ميديا من حيث هي، بل مشكلة هيمنة توتاليتارية تنطلق من العقل إلى أخمص القدم. ومن هنا أتحدّث عن إفلاس شمولي في السياسة الدولية، نهاية المركز الجاذب، تفكك القوة الناعمة، تهتك المؤسسات الدولية، هي الفوضى إذن التي تسبق التحول إلى نظام عالمي جديد، لا يمكن التكهن بخريطته الجديدة، ولكنها الفوضى التي تأتي على ما تبقى من العدالة الدولية. اليوم القوة تنطلق بسرعة فائقة على حافة العالم، وبالوزن الميت. لا توجد فرامل ولا علبة السرعة للتحكم، انتظروا الحدث العظيم. لا أحد في عزّ الفوضى يملك أن يتكهّن بالصورة التي سيرسو عليها العالم، إنه مستقبل مفتوح على وضعية جيوسياسية لا قياسية.

في هذه الفوضى سيتعاظم فعل التعويض السيكولوجي، ستظهر معالم الصبيانية السياسية، ستتفجر الظاهرة الصوتية أكثر، ستكثر الأرقام المضللة، والسيناريوهات المتخيلة، كل هذا سيطغى على العقل، ولن يسمح بالتشويش العقلي على عصر التّفاهة، فهو في لحظة استنزاف قصوى، لكن ما بعد التّفاهة هناك مرحلة إعادة الإعمار لعقل تلاشى، لضمير تهاوى، لحماقات جاوزت المدى.

تنتفض البيئة، وتشتبك الأمم على تخوم حارقة، واللوزة الدماغية تهيمن على جغرافيا الدماغ، فلا أحد مستقر، حتى المركز وإمبرياليته فقدوا السيطرة على المستقبل والمصير، حتى الهيمنة باتت عبارة عن تلويحات بهلوانية، هناك فقط الحقد وغلبة المرة الصفراء، آخر رصيد سيبقى هو الحقد، الضروري لاستئناف دورة حضارية فاشلة على شرط العود الأبدي. يبدو أن النخاع الشوكي هو البديل، هو مصدر التفكير، وأنّ اللاقط الهوائي للمعنى قضمته الريح. إصرار على التكرار لا حدود له، عالم الغد لم تطلع شمسه بعد، ففي هذه المرحلة الانتقالية، سترى البشرية من هول الحماقة ما لم يكن في الحسبان، حتما سنرى عجبا.

أهي دعوة للتشاؤم؟ أبدا، إنّ التفاؤلية هي الرّهان، فعالم تمادى في ظلمه وقهره وعدوانية، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. لقد وقع ما يكفي من أهوال للبرهنة على أننا وصلنا إلى منعطف انقلاب الماهيات، ونهاية عصر الرّدة البيولوجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى