اخر الأخباراوراق المراقب

مفهوم الشرك بين الأصل اللغوي والتحديد العقدي

صباح الصافي..

الشرك هو أن يكون الشَّيءُ بين اثنين لا ينفردُ به أحدهما. ويقال شاركتُ فلانًا في الشَّيء، إذا صِرْتَ شريكه. وأشركْتُ فلانًا، إذا جعلته شريكًا لك. قال اللَّه (جلَّ ثناؤُه) في قِصَّة موسى-عليه السلام-: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) ويقال في الدُّعاء: اللهم أشرِكْنا في دعاء المؤمنين: أي: اجعلنا لهم شركاءَ في ذلك. وشَرِكتُ الرَّجُلَ في الأمرِ أشْرَكُه.

 و”الشِّرْكَةُ والْمُشَارَكَةُ: خلط المُلكينِ، وقيل: هو أن يوجد شيءٌ لاثنين فصاعدًا، عينًا كان ذلك الشَّيء، أو معنًى، كَمُشَارَكَةِ الإنسان والفرس في الحيوانيَّة، ومُشَارَكَةِ فرس وفرس في الدّهمة، يقال: شَرَكْتُه، وشَارَكْتُه، وتَشَارَكُوا، واشْتَرَكُوا، وأَشْرَكْتُه في كذا… وشِرْكُ الإنسان في الدِّين ضربان:

أحدهما: الشِّرْكُ العظيم، وهو: إثبات شريك للَّه (تعالى). يقال: أَشْرَكَ فلان باللَّه، وذلك أعظم كفر. قال (تعالى): (إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) .

والثَّاني: الشِّرْكُ الصَّغير، وهو مراعاة غير اللَّه معه في بعض الأمور، وهو الرِّياء والنِّفاق المشار إليه بقوله: (جَعَلا لَه شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) ولفظ الشِّرْكِ من الألفاظ المشتركة.

وقد “خلط الرَّاغب بين أنواع الشِّرك والمشركين، ومعانيها. لكنها مباحث يغلب عليها الجانب الكلامي والفقهي، ويقل فيها الجانب اللغوي، فلا نُفيض فيها.

 أمَّا الشِّرك اصطلاحًا: “أن يعبد الانسان غير الله. والعبادة إنَّما تتحقَّق بالخضوع لشيءٍ على أنَّه ربٌّ يُعبد.

أو “الاعتقاد بتعدُّد الآلهة، أو عبادتها. وهو خلاف التَّوحيد.

و”المناط في الشِّرك: هو جعل شيءٍ مستقلَّا وله موضوعيَّة، وهو مورد نظر وتوجه بذاته أو بصفته أو بفعله، وكلَّما ازداد التَّوجُّه اليه واشتدَّ النَّظر إلى خصوص وجوده وخصوصيّته: تزداد مرتبة الإشراك به تعالى، ويهون الارتباط فيما بينه وبين اللَّه. (وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً).

 لكن المشكلة تبدأ حين يُنقل هذا المعنى إلى الله (سبحانه)؛ لأنَّ الله (تعالى) -في عقيدة التَّوحيد- ليس كمثله شيءٍ، ولا يشبهه أحد، ولا يشاركه أحد في حقيقته. هو المتفرِّد في وجوده، في قدرته، في تدبيره، وفي استحقاقه للعبادة. فإذا تخيَّل الإنسان أنَّ هناك من (يشاركه) في شيءٍ من هذا التَّفرد، يكون قد نقل فكرة (الاشتراك) البشريَّة المحدودة إلى مقام إلهي قائم أساسًا على الانفراد المطلق. وهنا يولد الشِّرك بمعناه العقدي.

 كثير من التَّعاريف تقول: الشِّرك هو الاعتقاد بوجود أكثر من إله، أو عبادة غير الله (تعالى). وهذا صحيح؛ لكن الشِّرك بمعناه الدَّقيق يعني أن يُعطى غير الله (تعالى) شيءٌ من الاستقلال؛ أي: يُنظر إليه كأنَّه قائم بذاته، يملك من نفسه القدرة أو التَّأثير أو الاستحقاق، لا لأنَّه مخلوق محتاج إلى الله (سبحانه)، وكأنَّه في موقع مقابل لله (عزَّ وجلَّ).

 أمَّا حقيقة الشِّرك في ضوء روايات المعصومين (عليهم السلام)، فإنَّ النُّصوص الواردة عنهم تقدِّم إطارًا تفسيريًّا منضبطًا لهذا المفهوم العقدي، يكشف حدوده الدَّقيقة ويميِّز بين مراتبه وصوره، بحيث لا يُترك المصطلح عائمًا في الأذهان ولا مفتوحًا على استعمالات انفعاليَّة قد تُفضي إلى التَّسرُّع في إخراج الآخرينَ من دائرة الإيمان. فالرِّوايات الشَّريفة تضع معايير معرفيَّة وعباديَّة واضحة، تُسهم بضبط الفهم العقدي، وتوجِّه الذِّهن إلى التَّوحيد بوصفه حالة وعيٍ وانقيادٍ لله (تعالى) في الاعتقاد والعمل معًا، وهو المسار الذي يفتح للإنسان أفق القرب الإلهي ونيل المغفرة.

 ومن النصوص المركزيَّة في هذا الباب ما رُوي عن عباس بن يزيد، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَوَامَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشِّرْكَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الْمِسْحِ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: “لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُشْرِكاً حَتَّى يُصَلِّيَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَدْعُوَ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل.

 وتُظهر هذه الرِّواية انتقال البحث من التَّصوير الوعظي الذي يركِّز على خفاء بعض شوائب القصد والنِّيَّة، إلى تحديد عقدي يرتبط بجوهر العبادة. فالتَّشبيه بخفاء دبيب النمل يعبِّر عن دقائق الانحرافات القلبيَّة التي قد تعترض الإنسان، من رياءٍ خفيٍّ أو تعلُّقٍ بغير الله (عزَّ وجلَّ) في مستوى الشعور، غير أنَّ الإمام (عليه السلام) يوجِّه النَّظر إلى أنَّ توصيف الإنسان بالمشرك -بالمعنى العقدي الذي يخرجه عن التَّوحيد- لا يثبت بمجرَّد هذه الخواطر أو حالات الضعف الباطني، وإنَّما يرتبط بتحويل وجهة العبادة نفسها.

 والعبادة في الوعي القرآني والرِّوائي تمثِّل ذروة الخضوع والتألُّه؛ ولذلك حُصرت أمثلتها هنا في أفعال تعبِّر عن أقصى مراتب التَّوجُّه: الصَّلاة بما هي إعلان عملي للعبوديَّة، والذَّبح بما يحمله من معنى القربة والتَّقديس، والدُّعاء بما يتضمَّنه من إسناد القدرة على العطاء والتَّصرُّف في شؤون العبد. فإذا نُقلت هذه الأفعال -من حيث القصد والاعتقاد- إلى غير الله (تعالى)، تحقَّق جوهر الشِّرك؛ لأنَّ موضع الألوهيَّة الذي لا يقبل الشَّراكة قد أُعطي لغير مستحقِّه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى