انهيار منظومة الردع في لبنان.. تصعيد جوي اليوم وتوغل بري غداً

بقلم: كريستينا شطح..
بعد اللقاء الأخير بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، لم يخرج بيان حرب، ولم تُرفع خرائط اجتياح على الشاشات، لكن ما تغيّر فعليًا كان أخطر من إعلان الحرب نفسه. ما سقط لم يكن قرارًا معلنًا بالحرب، بل شبكة الخطوط الحمراء غير المكتوبة التي كانت تضبط إيقاع المواجهة منذ سنوات. في هذه اللحظة تحديدًا، انتقل مركز الثقل من واشنطن، حيث تُدار الأزمات بمنطق الاحتواء والحسابات الدولية، إلى تل أبيب، حيث يُعاد تعريف التوقيت وحدود القوة وفق تقدير اللحظة لا وفق معادلات طويلة الأمد. هذا التحوّل لا يعني انفلاتًا كاملًا، لكنه يشير بوضوح إلى أن إسرائيل لم تعد تنتظر ضوءًا أخضر صريحًا، بل باتت تتحرك ضمن هامش صمت دولي محسوب، يجعل الفعل العسكري خيارًا مفتوحًا لا محظورًا.
لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كانت إسرائيل ستشنّ حربًا، بل أي نوع من الحرب ستختار، ومتى ستنفذها. القصف لم يعد مجرد رسالة سياسية أو عسكرية، بل بات جزءًا من نمط اشتباك متدرّج، فيما باتت التحركات العسكرية الإسرائيلية أكثر عمقًا، واحتمال عمل بري محدود يصل حتى حدود نهر الليطاني لم يعد فكرة نظرية، بل خيارًا واقعيًا يُناقش خلف الكواليس في حال تصاعدت المواجهات.
في خضم هذا المشهد، تظهر الدولة اللبنانية كأضعف حلقات المعادلة، لا بوصفها طرفًا فاعلًا، بل كساحة تُدار فوقها الحسابات الإقليمية. فغياب القرار السيادي الموحّد، والانقسام السياسي الداخلي، وشلل المؤسسات الدستورية، كلها عوامل جعلت الدولة عاجزة عن فرض نفسها كمرجعية أمنية أو سياسية في لحظة شديدة الحساسية. أما الجيش اللبناني، فرغم انتشاره والتزامه بحدود إمكاناته، فيبقى مقيّدًا بسقف سياسي هشّ يمنعه من لعب دور توازني فعلي، ما يترك الجنوب في حالة فراغ عملياتي لا يملأه ردع واضح ولا سلطة مركزية قادرة على فرض معادلة مستقرة.
بالتالي، فإن الرسالة الأمريكية لإسرائيل لم تكن رفضًا واضحًا لأي تصعيد، بل توجيهًا ضمنيًا بأن تل أبيب تمتلك هامش القرار، مع تحذير غير معلن من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة. هذا الهامش يفسّر التدرّج في السياسات العسكرية الإسرائيلية تجاه الجنوب اللبناني: من ضربات جوية دقيقة، إلى احتمال تدخل بري محدود بعمق محسوب وزمن محدد، يهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية المتقدمة لحزب الله وإعادة رسم قواعد الاشتباك بالقوة، من دون الذهاب إلى اجتياح شامل قد يجرّ المنطقة إلى حلقة تصعيد مفتوحة.
اليوم، فإن غياب الحرب البرية لا يعني بالضرورة الهدوء. ما يحدث هو شكل من أشكال الحرب التدريجية: قصف جوي متكرر، استهدافات دقيقة، ورسائل عسكرية وسياسية تُدار من دون إعلان حالة حرب رسمية. في المقابل، يبقى خيار العمل البري حتى الليطاني تحوّلًا نوعيًا في الموقف الاستراتيجي، ليس لأنه يغيّر خطوط الجبهة فقط، بل لأنه يشكّل رسالة ضغط مباشر على بنية حزب الله في الجنوب، ويضع الدولة اللبنانية بأسرها أمام واقع جديد يصعب تجاهله أو احتواؤه.
أما حزب الله، فرغم الخطاب التصعيدي في بعض بياناته، فهو يوازن بين الحفاظ على صورة الردع وعدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تطيح بالمكاسب السياسية والداخلية التي راكمها داخل لبنان. فأي تحرّك واسع في هذه المرحلة يبقى محفوفًا بالمخاطر، ليس فقط على مستوى المعركة العسكرية، بل على مستوى التوازنات الداخلية الهشّة، والاستقرار الاجتماعي، وقدرة البلاد على تحمّل صدمة أمنية إضافية في ظل الانهيار القائم، ما يدفع الحزب إلى اعتماد ردود محسوبة تُبقي الاشتباك دون عتبة الحرب الشاملة.
وما هو خطير في المرحلة المقبلة لا يقتصر على احتمال التصعيد العسكري، بل على طبيعة المواجهة نفسها: مواجهات متكرّرة ومتدرّجة تُديرها إسرائيل بميزة تفوّق جوي وربما بري محدود، مقابل ردود محسوبة من الحزب تُبقي لبنان في حالة توتّر دائم من دون إعلان حرب شاملة. هذه المواجهة لا تُقاس بعدد الأيام أو بحجم الضربات، بل بمدى تآكل الدولة اللبنانية وقدرتها على الاحتواء، ما يضع البلاد في حلقة ضغط أمني وسياسي واقتصادي متزامن.
إذًا، لا يقف لبنان اليوم أمام مفترق حرب أو سلام بالمعنى التقليدي، بل أمام مسار تصعيد يُدار فوق أرضه ومن دون قراره. فالدولة الغائبة لا تملك ترف انتظار التوازنات الإقليمية، ولا القدرة على امتصاص صدمات متراكمة تُفرض عليها عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا في آن واحد. في هذا السياق، لا يصبح خطر العمل البري الإسرائيلي حتى نهر الليطاني خطرًا عسكريًا فحسب، بل تعبيرًا صارخًا عن انهيار معادلة الردع الداخلية، وعن تحوّل الجنوب من منطقة اشتباك إلى مساحة اختبار لفرض الوقائع.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا المسار يعني تثبيت لبنان كساحة لإدارة الصراع لا كدولة ذات سيادة، حيث تُرسم خطوط المواجهة وتُعدَّل قواعد الاشتباك من دون أي دور لبناني فعلي في القرار أو التفاوض. ومع كل جولة تصعيد غير محسومة، يتآكل ما تبقّى من قدرة الدولة على الاحتواء، وتتعمّق هشاشة الداخل، فيما يُدفع المجتمع اللبناني تدريجيًا نحو قبول واقع أمني جديد يُفرض بالقوة لا بالتوافق. في هذه اللحظة، لم يعد السؤال متى تبدأ الحرب، بل إلى أي مدى يمكن للبنان أن يستمر في هذا الفراغ قبل أن يتحوّل التصعيد المُدار إلى انفجار خارج السيطرة؟.



